هل الأسلحة النووية الصينية نمر من ورق

الجمعة 2015/01/02
الصين تحيط دائما قدراتها العسكرية بتكتم شديد مما يجعلها بمثابة اللغز

لندن – يرى جفري لويس، مدير مركز جيمس مارتن لأبحاث منع انتشار الأسلحة في معهد الدراسات الدولية، أن حديث الصينيين عن أسلحتهم النووية “الخاصة” لم يعد ضربا من الجنون. ويشير لويس، في كتاب صدر حديثا تحت عنوان “نمر من ورق: الأسلحة النووية”، ونشر بعضا من فصوله المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، أن آليات التفاعلات الأميركية الصينية لا تتناسب مع الأهمية الاستراتيجية لبكين وقدراتها العسكرية.

يمثّل الأسطول النووي الصيني لغزا لصانعي السياسات الغربيين والخبراء في المجال، فهو يتكون من قوة صغيرة تعتمد بصفة حصرية تقريبا على صواريخ بالستية أرضية موضوعة في حالة تأهب منخفضة وهو وضع يبدو أنه يستدعي الهجوم عند حصول أزمة.

عندما يتكلم الزعماء الصينيون عن الأسلحة النووية يعبرون عن أفكار تبدو غريبة عن الأذن الغربية، فتعليق ماو تسي تونغ الشهير بأن “الأسلحة النووية هي نمر من ورق” يبدو ضربا من التهديد أو الجنون.

الآن أصبحت القوات النووية الصينية مهمة إلى درجة أنها لم تعد لغزا؛ لكن الغربيين يستمرون في عدم الاتفاق حول المعلومات الواقعية التي تخص أحد أهم الدول النووية في العالم. ويدّعي خبراء أميركيون أنه من الممكن أن يؤدي نشر ذراع للترسانة النووية الصينية يصعب تعقبها على متن غواصات إلى عواقب وخيمة في شرق آسيا وما وراءه وقد يضيف التوتر بين الولايات المتحدة والصين.

ويوثّق ويشرح كتاب جفري لويس، “نمر من ورق: الأسلحة النووية”، الصادر عن دار أدلفي للنشر، تطور القوات النووية الصينية فيما يخص العوامل التاريخية والبيروقراطية والأيديولوجية. وهناك منطق استراتيجي يفرض نفسه لكنه يُعبّر عن ذلك المنطق بالسياسة والبيروقراطية والأيديولوجيا، والتفسير الأبسط هو أن الزعماء الصينيين ككل يميلون إلى إعطاء اهتمام أقل نسبيا للتفاصيل التقنية التي هيمنت على النقاشات الأميركية فيما يخصّ الردع. وهذه الاختلافات العميقة في التفكير حول الأسلحة النووية قد تؤدي إلى سوء تفاهم كارثي في حالة حدوث أزمة عسكرية بين بكين وواشنطن.

كثيرا ما يعبر المسؤولون والخبراء الغربيون عن خيبة أملهم في مستوى الشفافية والحوار مع الحكومة الصينية وغيرهم من المحادثين.

نظرا لتنامي النفوذ الصيني تلوح قوتها النووية الصغيرة أكثر من أي وقت مضى في الحسابات الغربية

ونظرا لتنامي النفوذ الصيني اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، تلوح قوتها النووية الصغيرة أكثر من أي وقت مضى في الحسابات الغربية. وفي الحقيقة العجز الجماعي عن فهم قدرات القوات النووية العسكرية وسياساتها وموقفها أمر محبط.

في مقال سابق يشير جفري لويس إلى الترسانة الصينية لم تكن غريبة رغم تداول فكرة أن الزعماء الصينيين كانوا ينظرون إلى الأسلحة النووية بشكل مخالف لرؤية نظرائهم في البلاد الغربية، أو على الأقل تصرفوا كما لو كان الأمر كذلك.

ولأسباب بيـــروقراطــية وتــاريـــخية وأيديولوجية مختلفة أعطى القادة الصينيون أهمية أقل للتفاصيل التقنية مقارنة بنظرائهم الغربيين عندما يتعلق الأمر بتقييم استقرار الردع. ومن ثم كانت تصريحات الصينيين غير مفهومة في الغالب أو ببساطة يصعب على الأجانب تقبلها.


نظرة الصينيين للأسلحة النووية


يمكن بناء الدراسات عن مواقف الصينيين من مسألة الأسلحة النووية انطلاقا من تصريحات مختلف القادة بداية من ماو تسي تونغ نفسه، لكن الأقوال الماوية المأثورة يمكن أيضا أن تخرج من سياقها الزمني والنصي. ثم أن الزعماء في مختلف أنحاء العالم يميلون على نحو محزن إلى قول شيء حول الأسلحة النووية بينما يفعلون عكس ذلك. فمثلا عبّر الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور مرة عن فزعه من فكرة وجود ألف أو أكثر من الصواريخ البالستية المجهزة بسلاح نووي، لكنه أورث خليفته برنامجا لبناء 1950 صاروخا من طراز ‘مانيوتمان’.

يوثق الكتاب التغييرات في طريقة نظر الزعماء الصينيين للأسلحة النووية، ويحاول إظهار تطور آراء الناس بخصوص هذا النوع من الأسلحة مثلما تعكسه السياسة الفعلية. ولهذا فإن تصريحات ماو وغيره من الزعماء هي جزء مهم من هذا النقاش لكن فقط عندما تقدّم في سياقها الصحيح.

أشهر تصريح لماو تسي تونغ كان قوله الذي تم تكراره كثيرا في حملة الدعاية في حياته بأن الأسلحة النووية هي ‘نمر من ورق’، وهو ادعاء عادة ما يفاجئ المراقبين الغربيين باعتباره غريبا وخاصة بالنسبة إلى زعيم دولة مسلحة نوويا. لكن التصريح يتّسق مع الشعارات الماوية عن انتصار الاشتراكية على الامبرياليين المسلحين بشكل أفضل وانتصار السياسة على التفوق في الأسلحة.

منذ المراحل الأولى للمجهودات الصينية في اكتساب أسلحة نووية نظر الزعماء الصينيون لبرنامج الأسلحة النووية من زاوية المستوى العام للتطور الصناعي والتكنولوجي في الصين، وليس من زاوية المتطلبات العسكرية الخاصة. ولذلك كانت جذور برامج الصين لتطوير أسلحة نووية حرارية وصواريخ بالستية تعود إلى نفس فترة الطموح التكنولوجي والصناعي التي أنتجت قفزة الصين الكبرى إلى الأمام (1958-1961).

الكتاب يوثق التغييرات في طريقة نظر الزعماء الصينيين للأسلحة النووية


تصميم واختبار الأسلحة النووية


تتكوّن القوات النووية الصينية حاليا من رؤوس حربية نووية حرارية ذات قدرات كبيرة. وهي بقوة عدة ملايين من الأطنان تم تطويرها لتجهيز الصواريخ البالستية من طراز دي.أف-3 و4 و5، وفيها على الأقل رأس حربية واحدة بقوة مئات من آلاف الأطنان تم تطويرها في التسعينات من القرن الماضي للجيل الحالي من الصواريخ البالستية التي تعمل بالوقود الصلب. لقد بذل المصمّمون الصينيون جهودا كبيرة لتصغير حجم الرؤوس النووية، لكن يستبعد أن يكون أحدث رأس حربي صيني صغيرا بما يكفي لكي يتم وضع أكثر من رأس واحد على الجيل الحالي للصواريخ البالستية الصينية العاملة بالوقود الصلب.

منذ أول تفجير نووي لها في سنة 1964، لم تطور الصين إلا عددا قليلا من تصاميم الرؤوس النووية، وتعتمد هذه الرؤوس النووية نسبيا على عدد قليل من التجارب النووية إذ قامت بخمسة وأربعين اختبارا جرى معظمها خلال الفترة السابقة للإصلاح الصيني تحت حكم دنغ شياو بينغ.

أوقفت الصين الاختبارات النووية التفجيرية بعد توقيعها معاهدة حظر التجارب النووية الشاملة في سنة 1966.

ولكن ربما تجري اختبارات أقل أهمية وتتخذ إجراءات أخرى للإشراف على المخزون النووي لضمان جدوى تصاميمها من الأسلحة النووية. وليس واضحا إن كانت الصين تقوم بصنع رؤوس نووية بشكل دوري مثلما تفعل روسيا، بالرغم من أن نظام التعامل مع الرؤوس النووية يعني ضمنيا أن الصين تقوم بتعويض مخزونها بشكل دوري.

لقد شدد الزعماء الصينيون دائما على أهمية الأسلحة النووية الحرارية والصواريخ البالستية، لكن خلافا للقوى النووية الأخرى أجرت الصين عددا قليلا جدا من الاختبارات لتطوير أجهزة انشطارية جاهزة للاستعمال، وبدل ذلك سارعت إلى تطوير أسلحة نووية حرارية.

تركيز الصين على تطوير عدد قليل من الأسلحة النووية الحرارية ذات القدرات العالية، يعكس الأساس المنطقي الذي عرضه رئيس برنامج الأسلحة النووية الصينية ني رنغ جان في سنة 1961، فعوضا عن السعي وراء تطوير عدة أجهزة انشطارية يمكن استعمالها لغايات عملية في أرض المعركة، ركز ‘ني’ على الحاجة إلى قدرة رد استراتيجية تمكن من تثبيت مكانة الصين في العالم وتستخدم بمثابة قاعدة علمية وتكنولوجية لها.

كان توفّر المواد الانشطارية منذ البداية عاملا مهما في تشكيل نسق ومدى استخدامات الصين للأسلحة النووية. فقد قرر صانعو الأسلحة الصينيون متابعة الانفجار الداخلي للأورانيوم في اختبارهم النووي الأول، وهو اختيار غير عادي في ذلك الوقت بيّن الحالة النسبية لمرافق المواد الانشطارية في البلاد.

كما تسبب إنتاج المواد الانشطارية في أكبر انقسام بيروقراطي داخل برنامج الأسلحة الاستراتيجية لدى الصين بين البيروقراطية البحثية والتنموية التي صممت الأسلحة النووية وبيروقراطية الإنتاج العسكري التي كانت تقوم بتزويد المواد الانشطارية. في السنوات الأولى من برنامج الأسلحة الاستراتيجية الصينية تنافس كل طرف من أجل السيطرة الكاملة على مجهودات الأسلحة النووية. ونتيجة لذلك تم فصل إنتاج المواد الانشطارية عن برنامج تطوير الأسلحة النووية حتى أن أحد الخبراء الصينيين يذكر أنه لم يكتشف موقع المرافق لإنتاج المواد الانشطارية في الصين إلا عندما ظهرت في الصحافة الغربية.

تتكوّن القوات النووية الصينية حاليا من رؤوس حربية نووية حرارية ذات قدرات كبيرة وهي بقوة عدة ملايين من الأطنان

يبقى تاريخ إنتاج المواد الانشطارية في الصين موضوعا ذا أهمية. ويبدو أنها أوقفت إنتاج المواد الانشطارية في نهاية الثمانينات عندما كانت صناعة الطاقة النووية تحاول تحويل نفسها إلى صناعة عالمية. وبدا أن نهاية إنتاج المواد الانشطارية كان بدافع عملية إصلاح السوق أكثر من الحسابات الاستراتيجية، ومن ثم قد يمثل إنتاج الصين التاريخي للمواد الانشطارية قيدا أمام حجم الترسانة النووية للصين، على الأقل في المدى القريب والمتوسط.


القوات الصاروخية الصينية


منذ سنة 1964 اعتمدت الصين على رادع نووي من صواريخ بالستية أرضية تحت استخدام فيلق المدفعية الثاني. لا يعتقد أن أية وحدات من القوات الجوية لديها مهمة نووية أولية ومازال الجيل الجديد من الغواصات الحاملة للصواريخ البالستية الصينية لم يدخل حيز الخدمة. كما تقوم الصين أيضا باستخدام عدة صواريخ بالستية قصيرة المدى، إلى جانب صواريخ كروز أرضية وجوية، لكن يبدو أنها مجهزة بأسلحة تقليدية.

منذ أواخر الخمسينات سعت الصين إلى تطوير صواريخ بالستية بعيدة المدى من أجل توصيل ترسانة مبرمجة من رؤوس حربية انصهارية ذات قوة من عدة ملايين الأطنان. وجاء الدليل حول تنمية الأسلحة النووية لسنة 1958 للتركيز على الأسلحة النووية الحرارية والصواريخ البالستية النووية الحرارية، وهما هدفان مزدوجان وصفا على أنهما ‘أسلحة متطورة’. غير أن الصين لم تستخدم عددا مهما من الصواريخ البالستية المزودة بأسلحة نووية إلا في أواسط السبعينات. واليوم حسب التقرير السنوي عن مكتب وزير الدفاع إلى الكونغرس حول التطورات العسكرية والأمنية، تستخدم الصين بين خمسين وخمسة وسبعين صاروخا بالستيا مسلحا نوويا من طراز (أي. سي. بي. أم) فضلا عن قوة متكونة من صواريخ بالستية متوسطة المدى مجهزة بأسلحة نووية.

تركز الصين على تطوير قدرة رد استراتيجية تمكن من تثبيت مكانتها في العالم وتستخدم بمثابة قاعدة علمية لها


الاستقرار الاستراتيجي والأمن الاقليمي


سعت الولايات المتحدة إلى تنظيم حوار حول الاستقرار الاستراتيجي مع الصين منذ استئناف الاتصالات العسكرية العسكرية في أواسط التسعينات. في ذلك الوقت رأت إدارة كلينتون أن هذا النوع من الاتصالات يشكل جزءا من استراتيجية أوسع لتشريك الصين في علاقة أكثر تعاونا، وهو ما رسمه وزير الدفاع آنذاك وليام بري في مذكرة رفعت عنها السرية الآن موجهة إلى مجلس الوزراء.

ولاحقا سعت كل من إدارات كلينتون وبوش وأوباما إلى الشروع في حوار مع الصين حول مسائل الأسلحة النووية. في أبريل من سنة 2006، مثلا، عبّر كل من الرئيس بوش ورئيس جمهورية الصين الشعبية، هيو جينتاو، عن التزامهما بتضمين المسائل النووية في الحوار الثنائي. وبالرغم من هذا الاتفاق تذمر وزير الدفاع آنذاك روبرت غايتس أثناء زيارته إلى الصين بأن جيش التحرير الشعبي الصيني “لم يتسلم المذكرة”.

وتحت حكم إدارة بوش عقدت الولايات المتحدة والصين في نهاية المطاف عددا قليلا من اللقاءات شملت نقاشات حول المسائل النووية، وخاصة نقاشات في جلسات المحادثات الدفاعية الاستشارية ولقاء في واشنطن على مستوى الخبراء.

وجاء في ‘مراجعة الوضع النووي لسنة 2010′ أن الغاية من الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي هو توفير مقر للمحادثات وآلية لتمكين كل طرف من التعبير عن وجهة نظره بخصوص استراتيجيات الطرف الآخر وسياساته وبرامجه المتعلقة بالأسلحة النووية وغيرها من القدرات الاستراتيجية. وأوضح التقرير أن “الهدف هو تعزيز الثقة وتحسين الشفافية وخفض الريبة”. وبالرغم من أن مثل هذه الأهداف قد تبدو مجرد أهداف مسكنة، يعكس الدعم للحوار تجربة أميركية معينة مع الاتحاد السوفييتي وشعورا بأن آليات التفاعل الأميركية الصينية لا تتناسب مع الأهمية الاستراتيجية للصين وقدراتها العسكرية. ومع قدوم قيادة جديدة في الصين من الجدير التساؤل كيف ستشكل الوضعية التكنولوجية والسياسية والأمنية الجديدة قواها الاستراتيجية.

في ظل تعميق الشكوك المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة يتزايد قلق الولايات المتحدة إزاء صعود الصين، ورفع الأخيرة لمستوى القوات النووية. وقد وزادت بكين نفقاتها العسكرية بنسبة تفوق 10 بالمئة لعدة سنوات وباتت تمتلك ثاني أكبر ميزانية عسكرية في العالم بعد الولايات المتحدة، إلا أن قدراتها العسكرية تبقى دائما محاطة بتكتم شديد مما يجعلها بمثابة اللغز.

7