هل الإرهاب ظاهرة في الثورات العربية؟

الثلاثاء 2013/10/29

قد تكون الظاهرة الكبرى في مختلف أقطار الربيع العربي هي ظاهرة الإرهاب التي امتزجت بالثورة في ليبيا لإطاحة بحكم القذافي، وتمتزج اليوم بالثورة السورية لتزيد في تعقيد الوضعية هناك مدعمة في ذلك من قبل البترودولار الذي يخدم أولا وآخرا مصالح العدو الصهيوني. أما في مصر وتونس حيث كانت المسيرة الثورية في مجملها سلمية، فإن الإرهاب قد ترعرع في أحضان الحكم الإسلامي لاعتبارات عديدة بعضها استراتيجي وبعضها ثقافي، ولكنها تتلخص في القرب الإيديولوجي لنمط تناول الحكم وتكوين آلياته.

فالظاهرة الفريدة من نوعها والتي نريد هنا التأكيد عليها نجدها الآن في تونس وتتمثل في تواجد الإرهاب المعتمد على التشدد الإسلامي، وسلطة الدولة المعتمدة هي الأخرى على الاتجاه الإسلامي. تونس تعيش اليوم أزمة ثقيلة باعتبار أن الحرب ضد الإرهاب تقوم بها دولة مدنية لا محالة، ولكنها ترتكز على تصورات إسلامية بل أحيانا على فهم سلفي للإسلام. لعل ذلك ما يفسر البطء الشديد في محاربة الظاهرة الإرهابية في تونس التي بدأت تتفشى منذ سنة ونصف تقريبا دون أن تتحرك سلطة الإشراف، بل تم في ذلك الوقت تبرير نشاط الإرهابيين بتعلات مضحكة كأن يعتبر مسؤول رفيع المستوى تدريبات الإرهابيين العسكرية في جبل الشعانبي رياضة صباحية يقوم بها شباب الجهة، أو أن يعتبرهم رئيس حركة النهضة شبابا متحمسا يذكّره بشبابه. مهما يكن من أمر فإن هذه الظاهرة جديرة بدراسة عميقة وتمحيص موضوعي لاسيما إذا عرفنا أن السلطة الآن تقوم بتعبئة مصالحها الأمنية المختلفة لمحاربة الإرهاب دون المساس بأسبابه، لأنها مازالت تقوم بتسميات متشددين وسلفيين جهاديين في مناصب قد تكون حساسة في الدولة ومازال هؤلاء يخطبون في الجوامع ويحرضون الناس على العنف والكراهية وعلى الحرب الأهلية ضد الكفار في نظرهم بإقصاء من يسمونهم بالعلمانيين.

وقناعتنا أن محاربة الإرهاب تكون أساسا بتدعيم ثقافة السلم والتسالم التي نعتبرها الكنه الحقيقي للإسلام والبعد المستقبلي للتعايش بين كل المذاهب الإسلامية وللتحابب والتآنس مع البشرية أكملها. ومن المضحكات المبكيات أن يعتبر مفتي تونس الذي نصبته السلطة الحالية منذ أشهر أن أصل الداء في الإرهاب هو الرئيس بورقيبة عندما حرر الإنسان الفرد وعندما حرر المرأة وبنى أسس التربية الحديثة.

لسنا نريد هنا تفسير ظاهرة الإرهاب وتحليل إدعاء ارتباطها بالدين الإسلامي، ولكننا نسوق بعض المعطيات التي قد توضح ملابسات هذه الظاهرة.

كلنا يعرف أن الاستعمار الذي عاشته الأقطار الإسلامية والعنصرية التي يعيشها المسلمون في العالم الغربي قد أفضتا في البلدان المسلمة إلى خلق ظروف عيش رديئة وأورثت شعورا بالنقص وبالسلبية لدى الشعوب العربية والإسلامية. وكلنا يعرف أيضا أن موقف العديد من الأوربيين قد اتسم بتعجرف واحتقار للعادات والتقاليد والثقافات العربية. زد على ذلك خلال السنوات الأخيرة تلك الحروب وأشكال العنف التي سلطتها بعض البلدان الأوربية على بلدان مسلمة فعملت بقوة على إذكاء المشاعر السلبية تجاه الغرب.

قد يفسر ذلك أن عددا كبيرا من المسلمين مالوا إلى العنف ضد الغرب الكافر أولا حسب زعمهم ثم ضد الكفرة بصفة عامة أي الذين لا يطبقون تعاليم السلفية ومن ثم أبدوا نوعا من التساهل مع ظاهرة الإرهاب التي وجدت مبررات دينية جهادية ذات بعد إقصائي عندما زعم أصحابها أنهم يثأرون لإساءات جماعية وإحساسات بالإهانة.

فلاشك أن مسألة العنف التي سنخصص لها مقالا مطولا هي اليوم أحد المسائل الأساسية في بلدان الربيع العربي، فالبلد الذي ينجح في القضاء على ظاهرة العنف أو التقليل من شأنها قد أنجح ثورته ودعم أسس ديمقراطيته وفتح الباب عريضا أمام مستقبل أجياله.

والقاعدة في ذلك هي النضال اليومي للتحاور بين جميع مكونات الساحة المدنية والساحة السياسية لتجنب كل أشكال العنف البارز منها والمختفي سواء كان عنفا ثقافيا ورمزيا أو ماديا وجسديا. يقوم بعض الساسة وبعض الصحافيين- الآن في الأزمة الشديدة التي تعيشها تونس- بإحياء لغة الحملات العدائية من جديد عندما يطالبون بإقصاء العلمانيين وتكفيرهم أو بإقصاء الإسلام السياسي وتخوينهم.

كيف نعالج ظاهرة العنف الصادرة عن الإرهابيين. يجب أولا وبالذات اعتبارها غير قانونية مهما كانت المبررات والملابسات وغير شرعية بحيث يصعب الدفاع عنها لأنها تقتل تقتيلا أعمى كل ما هب ودب بطريقة لم ترد في أي دين سماوي.

علينا جميعا أن نعلم أن الإرهاب والاتجاهات السياسية الإسلامية ليست مترادفة بالضرورة. وأن المتشددين الغلاة يبتعدون عن الدين الإسلامي كلما زاد تشددهم واشتدت مغالاتهم. فالإسلام وهو أحدث ديانات التوحيد الثلاث الكبرى دين سلم وتحابب. والتشدد ليس حكرا عليه إذ عرفت المسيحية مثلا العنف القائم على الدين ولنذكر الحروب الصليبية وأشكال التعذيب في ديوان التفتيش بأسبانيا والحروب التبشيرية في أمريكيا الجنوبية والحروب الدينية في أوروبا لأنهم كانوا يعتقدون أنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة. وفي واقع الأمر يعتقد أرباب الديانات ولاسيما المتشددون منهم أنهم يملكون وحدهم الحقيقة التي لا تتزعزع ولا تشوبها شائبة، فقد تدفعهم هذه الدغمائية العمياء إلى احتقار من لا يشاطرهم عقيدتهم وإلى مقاومة كل انحراف عن الحقيقة التي وضعوها وكأنها الحقيقة المطلقة وذلك باسم العقيدة فيلتجأ البعض منهم إلى العنف عوض أن يستعملوا قاعدة الإقناع بالمناظرة والتحاور والاستدلال.

أليس الخضوع لله في الإسلام بالاعتماد على قيم الإحسان مثل الضيافة والكرم والتواضع والتقوى والتسامح هو الذي لعب دورا أساسيا بالنسبة إلى المسلم الحق في نشر الدعوة الإسلامية للتعايش والتحابب بين جميع البشر؟ حقيقة الإسلام التي تتكون من تعاليم القرآن وسيرة الرسول هي السماحة التي ترشد الأمة الإسلامية في حياتها اليومية وفي وجودها وهي الضامنة لوحدتها وعلى أساسها ينخرط الفرد في الأمة.

ومهما يكن من أمر فإن النضال اليومي ضد الإرهاب يكون بتوسيع ساحة التحاور لتضم كل الذين هم على استعداد لوضع الحقائق المتمسكين بها على محك النقد لنتوصل جميعا إلى مرحلة تعايش الأفكار والنظريات والاعتقادات باختلافاتها وتناقضاتها لأن عالمنا هو عالم التنوع. هذا التعايش قد يفضي إلى تقاسم مبدع لقيم مشتركة تجعلنا نتمتع بجمالية العيش المشترك.


مفكر تونسي

8