هل الإعلامي ساذج

الخميس 2016/03/03

رئيس الأورغواي السابق خوسيه موخيكا، عدل خلال أحد لقاءاته الصحافية صياغة سؤال اعتبره خاطئا، كانت قد طرحته عليه إحدى مذيعات شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأميركية عندما وصفته بأفقر رئيس في العالم، إذ أدرك هذا السياسي المتقشف أن المذيعة ليست سوى ببغاء تردد ما قيل دون أن تخضع المعلومة لمقارنة أو تدقيق.

رغم أن موخيكا أراد حينها تصحيح الانطباع المأخوذ عن حياته؛ ليس لأنه لا يحب المال أو لا يعرف كيف يدير دفة السياسة، إلا أن رده حمل في ثناياه تذمرا من هذه الصحافية وكأنه يقول إن المذيع أو الصحافي أو الكاتب لا يجب أن يكون آلة ناسخة، بل عليه أن يحرك كتلة المواقف والأحاسيس الدفينة بداخله وأن يتلمس طريق المعلومة قبل بثها للناس دون مغالطة.

الغالبية الساحقة من الناس حول العالم هي من البسطاء والسذج والأغبياء الذين يصدقون ما يبث دون البحث عن دليل يقنعهم، إذ أنهم يصدقون المبررات فقط لكون ناقلها إعلاميا يحمل رسالة نبيلة في مجتمع يعج بلوبيات المنافقين حتى لو بدت غير عقلانية بالنسبة إليهم. فعقول هؤلاء البسطاء منهكة من التفكير في كيفية إكمال مسيرة حياتهم وهم جياع.

هذه الغالبية تتكاثر بشكل لافت وسريع، فهي تورث طباعها في ما بعد إلى جيل جديد يحمل نفس الجينات، جينات البساطة والسذاجة والغباء ويتوارثها بعد ذلك جيل آخر سيكون أتعس من سابقه، لكن هل يمكن قلب هذه الصورة النمطية السائدة والبحث في ما إذا كان الإعلامي نفسه ساذجا في السلسلة المتعارف عليها في صناعة الخبر؟

إن العملية تبدو مستحيلة بعض الشيء، إذ من الصعب أن يكون الصحافي ناقل الخبر أبلها أو مصابا بالذهان الصبياني أو ساذجا، فالمنطق سيكون سيد الموقف في حالة الالتباس في المعلومة، والصحافي الجيد كما يوصي بذلك كبار الإعلاميين هو الذي يشكك في المعلومة حتى لو لم يصاحبها لبس عبر دراستها وتحليلها قبل نشرها للجمهور وفق رؤية وسيلة الإعلام التي يعمل لصالحها.

ومع ذلك، يبقى للمجتمع تأثير كبير، فهناك العديد من الإعلاميين والصحافيين السذج والأغبياء في وطننا العربي ربما لعدم إدراكهم لما يقومون بفعله أو لنقص التجربة والخبرة أو لأنهم يقعون تحت ضغوط التلقين. فقد يتقبلون أحيانا إشارات أو دلالات من رؤسائهم في العمل عن طرح حول موضوع ما لإظهاره برؤية صاحب تلك الوسيلة، غير أن البعض منهم يفشل ولا يحسن تحليل تلك النصيحة ويضيّع بذلك مدخل من أين تؤكل الكتف؟

عند تصفح المئات من المواقع الإخبارية الإلكترونية يشد الفضول المتابعين لصاحبة الجلالة مهما تنوعت التوجهات، إذ تقع أنظارهم على عناوين ملفتة وجذابة وتبدو صياغتها أنيقة. وكما هي العادة يدفعهم فضولهم لتصفح مضامين تلك القصص، فقد تحمل معلومات قيمة وجديدة ومفيدة، لكن يتفاجأون بإسفاف صحافي لا يحترم نفسه وتبدو معه القصة خالية من منطق التعبير الدقيق والعرض السليم والرواية الصادقة والحقيقة ويظهر في طياتها أسلوب المبالغة.

مجافاة الأخبار لدلائل العلم والمنطق والتحليل والعمق تكشف بما لا يدع مجالا للشك السذاجة المفضوحة لناقل المعلومة وتحول المتابع حينها من إنسان متعقل إلى إنسان متعجب ومذهول بسبب ما تحتويه من هرطقة وهوس في تلك السطور تشعر القارئ في الكثير من الأحيان بحسرة وألم ليس لغياب الاحترام للمتابع، ولكن لفقدانها أيضا لأي حكمة قد تفيد أو تبيان فيه قول فصل أو فائدة يرجى منها أو أي تقدير لجموع المتصفحين.

ومع الإيمان القوي للبعض بحرية التعبير والاختلاف في الرأي، إلا أنه في مثل هذه الأمور شيء من توجيه الرأي والتشويه والدسيسة والضحك على عقول الناس. وهذه الأفعال تعودنا قراءتها وسماعها من الذين لا يحترمون أنفسهم ولا يملكون البتة احتراما لأحد في قولهم وفعلهم. وهنا يغيب الاحترام للعقل وتختفي معه نواميس الكتابة والتحليل والنقل وشرف مهنة المتاعب وقد صدق من قال إذا كان المخبر مجنونا فلا بد أن يكون المتلقي عاقلا.

كاتب وإعلامي تونسي

18