هل الإنترنت ملاذ مؤقت أم دائم للمعارض الفنية

أكبر معارض أوروبا يتحول إلى غرف افتراضية في انتظار الربيع القادم.
الاثنين 2021/04/12
جمالية الفن تحتاج إلى الواقع المحسوس لتتحقق

مع انتشار جائحة كورونا في مختلف أنحاء العالم ألغيت الكثير من التظاهرات الثقافية والفنية، والتجأ بعضها إلى شبكة الإنترنت للاستمرار في تقديم فعالياته عن بعد، ومن بينها المعارض الفنية، التي وإن وجدت في الإنترنت ملاذا لها فإن أغلبها لا ينوي الاستغناء عن فعالياته في الواقع لذلك اختار تأجيل نشاطاته.

باريس - عندما يتدفق الزوار على المعرض الأوروبي للفنون الجميلة الذي تستضيفه مدينة ماستريخت الهولندية، عادة ما تستقبلهم بترحاب باقات هائلة العدد والحجم من الزهور. وهذه الباقات التي تضم عشرات الآلاف من زهور الزنبق وغيرها من الورود، إحدى العلامات المميزة لهذه الفعالية، مما يضفي البهجة على قلوب الزائرين. غير أن هذا التقليد السنوي الرائع لم يحدث هذا العام.

ويبدو أنه أصبح يتعين على منظمي المعرض ترتيب وسيلة أخرى للترحيب بالزوار تتناسب مع فصل الخريف، حيث إن الفاعلية المنتظرة تم تأجيلها عدة مرات، حتى تقرر تنظيمها في منتصف سبتمبر المقبل.

تأجيل الفعاليات

على غرار تأجيل المعرض الأوروبي تم تأجيل تنظيم “آرت بازل”، وهو المعرض الدولي البارز للفن المعاصر والذي يقام سنويا بمدينة بازل السويسرية إلى أواخر سبتمبر المقبل، بدلا من يونيو، كما أن معرض “كلون للفن” الذي يعد أكبر فعالية للفنون في ألمانيا، والذي أقيم آخر مرة في أبريل عام 2019، من المقرر إقامته في نوفمبر المقبل.

وحتى يحين هذا الموعد، يأمل المنظمون في أن يتلقى عدد كاف من الناس اللقاح المضاد لفايروس كورونا، رغم توقعات بعدم انتهاء الجائحة حتى ذلك الحين.

الإنترنت تتيح فرصا جديدة للفنون ولكنها لا تشكل تهديدا لنموذج التجارة الفنية التقليدية من معارض وقاعات فنون

وقال هيدي سيغلن، مدير المعرض الأوروبي للفنون الجميلة “يجب علينا أن نكون واقعيين. افترض أن الكثير من الأشخاص لا يزالون متحفظين إزاء حقيقة إقامة المعرض في سبتمبر 2021، ولكننا إذا التزمنا الحرص وتطبيق الإجراءات الاحترازية، يمكن التغلب على هذا التردد”.

وأضاف سيغلن أن من العلامات المشجعة، أن عدد أصحاب قاعات عرض القطع الفنية الذين تقدموا بطلبات للاشتراك في المعرض، هو نفس المستوى المعتاد تقريبا.

وتم إقامة نسخة عام 2020 من المعرض في مارس، وتم اختصار أربعة أيام من فترته المعتادة، وكان ذلك في بداية ظهور الجائحة عندما كان البعض لا يزالون يصافحون بعضهم بعضا، بينما كان البعض الآخر يفضل بدلا من ذلك أن يصافح بلمس الكوع.

معارض رقمية

الإنترنت طريقة جديدة لبيع القطع الفنية في ظل جائحة كورونا
الإنترنت طريقة جديدة لبيع القطع الفنية في ظل جائحة كورونا

يتم في الوقت الراهن تنظيم معارض الفنون البارزة عبر شبكة الإنترنت.

ويقوم الزبائن بمشاهدة القطع الفنية في عروض على غرف رقمية، ثم شراءها منها، ولكن ليس بنفس العدد المعتاد، وغالبا يريد الزبائن التحدث بشكل مباشر مع شخص متخصص، وفقا لما يقوله مارك شبيغلر مدير معرض “آرت بازل”.

ويوافقه الرأي فان سيغلن، حيث يقول “جعلتنا الجائحة جميعا ننسحب لفترة. نفتقد الحوارات الشخصية التي تجرى مع عشاق الفنون وهواة جمع القطع الفنية والرعاة والمشرفين على المعارض وخبراء المتاحف والزملاء”.

ورغم ذلك، من المرجح أن تبقى النسخ الرقمية من المعارض الفنية جزءا من المشهد.

ويوضح فان سيغلن أن “وسائل الإعلام الرقمية ستصبح أيضا أكثر أهمية بالنسبة إلى تجارة القطع الفنية، خاصة بالنسبة إلى الجيل الأصغر سنا الذي شب معها، وأعتقد أنه في المستقبل ستتواجد تجارة القطع الفنية التقليدية التي يحضرها الزوار شخصيا، جنبا إلى جنب مع فعاليات الفنون التي ستقام على المواقع الإلكترونية”. ويتفق مع هذا الرأي وكلاء مبيعات القطع الفنية.

وفي هذا الصدد يقول تادوس روباك، وهو صاحب قاعة لعرض الفنون في النمسا، ويتمتع بمكانة بارزة في هذا المجال، إنه إذا أراد محب لجمع القطع الفنية أن يتخذ قرارا بالشراء وإنفاق مبلغ كبير على عمل فني، فمن المؤكد أنه بحاجة إلى رؤية هذا العمل أولا.

وتقول إلينا سوبوليفا التي تدير حركة مبيعات القطع الفنية على الإنترنت، لصالح ديفيد زويرنر وهو صاحب قاعة لعرض الأعمال الفنية بمدينة كولون الألمانية، وللقاعة أفرع في نيويورك ولندن وباريس، إن شبكة الإنترنت تتيح فرصا جديدة ولكنها لا تشكل تهديدا لنموذج التجارة الفنية التقليدية، الذي يتضمن المعارض وقاعات الفنون.

وقد تتيح الجائحة أيضا فرصة أخرى لتنظيم فعاليات أصغر حجما لبيع القطع الفنية.

العودة للحياة الطبيعية

غرف رقمية توفر لمحبي الفن والزبائن مشاهدة القطع الفنية ثم شراءها منها ولكن ليس بنفس النسق المعتاد

في فرنسا، على سبيل المثال، تم إلغاء المعرض الدولي للفن المعاصر، الذي يعد الأكثر شهرة فيها في عام 2020، بينما تم إقامة معرض “باريس للفنون” والذي يعد أصغر بكثير في سبتمبر الماضي مع الالتزام بإجراءات احترازية صارمة، واجتذبت هذه الفاعلية عددا من كبار وكلاء تجارة القطع الفنية، الذين يشاركون بشكل منتظم في معرض الفن المعاصر.

وتم السماح لمعرض “باريس للفنون” باستقبال خمسة آلاف زائر، ولكن مديره جويلام بينز سمح فقط بدخول ثلاثة آلاف في مساحة تمتد على 13500 متر مربع.

وحققت هذه الفاعلية نجاحا غير متوقع، وفقا لما ذكرته النشرات الإعلامية للمعرض.

وجاءت أعداد كبيرة من الحضور من فرنسا، كما شهد المعرض زيادة ملحوظة في عدد هواة جمع الأعمال الفنية، وممثلي المعاهد الفنية بزيادة بنسبة الربع مقارنة عن إجمالي الحضور العام السابق.

كما أعرب سيغلن عن أمله في زيادة عدد المشاركين في المعرض الأوروبي رغم الجائحة.

ويقول “شهدنا العام الماضي قضاء المزيد من أوقاتنا في المنازل، بل حتى العمل من البيت، وبالتالي أصبح تصميم أماكن المعيشة والمساحات اللازمة للعمل أكثر أهمية، وصار بالنسبة لكثير من الناس وجود الأعمال الفنية في المنازل أو المكاتب يمثل رصيدا كبيرا”.

وفي المقام الأول، يأمل وكلاء تجارة الأعمال الفنية عودة الحياة الطبيعية.

وفي إطار التوقعات المستقبلية، يقول سيغلن إن نسخة المعرض الأوروبي للفنون لعام 2022 ستقام في مارس مرة أخرى، ويمكن للزوار أن يتطلعوا لاستقبال يتسم بالترحيب والدفء، مصحوبا بأزهار الربيع اليانعة.

14