هل التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا وارد

الثلاثاء 2014/04/15
أي تدخل عسكري جديد سيزيد من عزلة روسيا على الساحة الدولية

بعد ضم روسيا لشبة جزيرة القرم، لا تزال تداعيات الحدث تلقي بظلالها على الساحة الدولية وتسببت في كثير من التجاذبات، مما سمح للبعض بالحديث عن حرب باردة بين واشنطن الداعمة للموقف الأوروبي وروسيا الساعية إلى طي صفحة القرم، على اعتبار أن المسألة تمت وفق إرادة شعبية متمثلة في الاستفتاء.

غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى خوف دولي من خروج الموقف عن السيطرة وتحول النزاع البيني إلى تدخلات دولية ستكون لها عواقب كارثية على الأمن العالمي. حيث أشارت التقارير الإعلامية إلى مقتل شرطي أوكراني في اشتباكات مع محتجين موالين لروسيا في مدينة سلوفيانسك، شرق البلاد، وهو ما دفع الرئيس الأوكراني المؤقت أولكسندر تورتشينوف إلى القول إن بلاده ستشن عملية موسعة ضد الإرهاب مدعومة بقوات الجيش لوقف العدوان الروسي، وأن السلطات لن تسمح بتكرار سيناريو القرم.

وكانت واشنطن دعت الرئيس الروسي بوتين إلى الكف عن زعزعة الاستقرار بتحريك المتظاهرين في أوكرانيا، واقترحت اجتماعا رباعيا بين أميركيين وروس وأوكرانيين وأوروبيين لفض النزاع.

ونعرض هنا موقفين من إمكانية التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، الأول للسفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، الذي ذهب إلى أن الغرب يفتعل التوتر في المنطقة. والثاني للأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن، الذي رأى أن أي تدخل عسكري روسي في أوكرانيا سيشكل خطأ تاريخيا.

تشوركين يتهم دول الاتحاد الأوروبي بالتدخل في أزمة أوكرانيا

الغرب يفتعل التوتر


رفض فيتالي تشوركين فكرة التدخل العسكري في أوكرانيا، متهما الغرب بأنه يصعد من التوتر بشكل مصطنع.

وأعرب تشوركين عن اعتقاده بأن التوتر السائد بين موسكو والغرب بعد انضمام القرم إلى روسيا، لن يقود العالم إلى حرب باردة جديدة ولن يدوم. ورأى السفير الروسي بالأمم المتحدة، أن روسيا لا تريد الحرب والروس كذلك. واعتبر تشوركين، أن الخطاب المعادي لروسيا الذي تبناه شركاؤها الغربيون يخفي حيرتهم وخيبة أملهم، نتيجة تصرفاتهم غير المدروسة في أوكرانيا.

ولفت فيتالي إلى أن روسيا مقتنعة بأن أية أزمة محلية تُحل بالحوار، وأنه لابد من احترام الواجبات الدولية وضرورة حماية حقوق الأقليات أيضا.

وأشار تشوركين إلى أن المتطرفين سعوا إلى الاستيلاء على الحكم في أوكرانيا بالقوة، معتبرا أن أوكرانيا دولة شقيقة وعلينا التصدي للتطرف هناك.

وأوضح مندوب روسيا في الأمم المتحدة، أن المتطرفين سيطروا على مدن في أوكرانيا ورفعوا شعارات عنصرية، لافتا إلى أن الجماعات المسلحة خرجت عن السيطرة في أوكرانيا.

كما أشار تشوركين إلى أن المعارضة لم تقم بإخلاء المباني الحكومية وواصل المتطرفون السيطرة على المدن، موضحا أن المعارضة الأوكرانية شكلت حكومة انتصار بدل السعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية.

ولفت تشوركين، إلى أن السلطات المنتخبة في القرم طلبت رسميا مساعدة روسيا، موضحا بأن تحرك روسيا جاء لحماية مواطنيها والدفاع عن حقوقهم، معتبرا في الآن نفسه أن اغتصاب السلطة بشكل غير قانوني سيضع أوكرانيا في خطر، مشيرا إلى أن أوكرانيا أصبحت على شفير حرب أهلية.

كما لفت أيضا إلى أن من يهددون بالعقوبات ضد موسكو، هم من شجعوا القوى القريبة على إثارة الوضع في أوكرانيا، مشددا على أن أوكرانيا لن تكون ساحة للمناورات السياسية.

ورأى فيتالي، أن الخطوات الروسية إزاء الأزمة الأوكرانية مناسبة وشرعية تماما، كاشفا أن الرئيس الأوكراني المعزول، فيكتور يانوكوفيتش، بعث برسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطلب منه استخدام القوة العسكرية الروسية في أوكرانيا، معتبرا في الوقت ذاته أنه يتوجب على بوتين استخدام القوة لإرساء الاستقرار في أوكرانيا، طالبا منه مساعدة عسكرية للدفاع عن الشعب الأوكراني.

وأكد مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أن الدعاية الغربية قلبت التطورات الأخيرة في أوكرانيا رأسا على عقب، مشيرا إلى أن المعارضة استخدمت القوة والتهديد، وهذا ما أجبر يانوكوفيتش على مغادرة أوكرانيا.

وأضاف السفير الروسي قائلا، “نحن نعتقد أن مفتاح حل الأزمة الأوكرانية يتمثل في العودة إلى اتفاق الحادي والعشرين من فبراير، ذلك الاتفاق الذي تم الالتفات عليه وتجاهله في اليوم التالي لتوقيعه”.

واتهم السفير فيتالي تشوركين دول الاتحاد الأوروبي بالتدخل في الأزمة الحالية في أوكرانيا، وقال “إنهم يعتقدون أن أوكرانيا مجرد إقليم أوروبي تابع لهم، وليست حتى دولة أوروبية، مجرد إقليم فقط”.

فوغ يدعو روسيا لنزع فتيل الأزمة وسحب جنودها


التدخل سيشكل خطأ تاريخيا


اعتبر أندرس فوغ راسموسن أن أي تدخل عسكري روسي في أوكرانيا سيشكل خطأ تاريخيا. وطلب الأمين العام لحلف “الناتو” من روسيا عدم التصعيد ووقف تحركاتها لتقويض الاستقرار في أوكرانيا.

وأعرب راسموسن عن قلقه الكبير جراء التصعيد الجديد للتوتر وأعمال العنف المنسقة في شرق أوكرانيا. وندّد بظهور رجال في شرق أوكرانيا يحملون أسلحة روسية ويرتدون زيا موحدا غير محدد بعلامات مثلما فعل الجنود الروس خلال احتلال جزيرة القرم، معتبرا ذلك تطورا خطيرا. ودعا روسيا لتهدئة التوتر وإلى سحب القوات الكثيفة، لاسيما القوات الخاصة المنتشرة في المناطق القريبة من الحدود مع أوكرانيا.

وحذر الأمين العام للحلف الأطلسي بالقول، “إن أي تدخل عسكري جديد، أيا تكن الذريعة، سيزيد من عزلة روسيا على الساحة الدولية”. وقال راسموسن، “نشهد حملة عنف منسقة من انفصاليين مؤيدين لروسيا يهدفون لزعزعة استقرار وسيادة أوكرانيا”.

ودعا أندرس فوغ روسيا لنزع فتيل الأزمة وسحب الأعداد الكبيرة من جنودها وبينهم أفراد من القوات الخاصة من المنطقة الحدودية مع أوكرانيا. وقال الأمين العام للحلف الأطلسي، إن روسيا حشدت عشرات الآلاف من الجنود على طول الشريط الحدودي مع أوكرانيا، وإن “الناتو” سيلغي اتفاقية 1997 مع روسيا إذا استمرت في التصعيد.

ورأى أن الشعب الأوكراني يجب أن يحدد مستقبله في أجواء من الديمقراطية والحرية، موضحا أنه يتابع عن كثب الأوضاع في أوكرانيا.

وأشاد راسموسن، ببيان الجيش الأوكراني، الذي أعلن أنه لن يتدخل في الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، مشيرا إلى أهمية ثبات موقف الجيش. وأكد أندرس فوغ أن أوكرانيا شريك مقرب لحلف “الناتو”، وأن الحلف يعتبر صديقا للشعب الأوكراني، مضيفا، الحلف يريد استمرار التعاون مع أوكرانيا.

واعتبر الأمين العام لحلف “الناتو”، أن ما يحصل في شرق أوكرانيا شبيه بما جرى في القرم قبل ضمها لروسيا.

واتهم فوغ روسيا بتهديد أمن أوروبا وقال، “يجب أن توقف روسيا تهديداتها وعملياتها العسكرية، ونحن ندعم سيادة أوكرانيا وحق الأوكرانيين في تحديد مستقبلهم دون أي تدخل أجنبي. كذلك نشدّد على أن تواصل أوكرانيا في نهجها الديمقراطي لضمان وحماية حقوق الأقليات”.

وحذّر راسموسن من أي توسع روسي في المناطق الشرقية لأوكرانيا، والذي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة وعقوبات اقتصادية ضد موسكو. وقال الأمين العام لحلف الشمال الأطلسي، حوالي 40 ألف جندي من القوات الروسية يتواجدون حاليا على طول الحدود الأوكرانية، وهم ليسوا في حالة تدريب بل على استعداد للقتال، لذلك على روسيا أن تسحب قواتها أولا إذا كانت جادة في الحوار.


الأزمة الأوكرانية تشعل الصراع بين واشنطن وموسكو


باتت جل التقارير الإعلامية المتابعة للأزمة في أوكرانيا، تشير إلى تطورات خطيرة بدأت تهدد المنطقة وتفتح المشهد نحو المجهول. حيث من المنتظر أن يؤدي التصعيد الأوكراني الأخير ضد الانفصاليين في منطقة سلافيانسك الذين يسعون إلى استنساخ سيناريو القرم لردود فعل متباينة خاصة من الجانب الروسي الساعي إلى حماية الناطقين باللغة الروسية.

وتبدو السلطات الأوكرانية جادة في تعاملها مع الانفصاليين، حيث لن تسمح بمزيد من التفتت لدولة تطمح إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي، رغم الأزمة الاقتصادية التي تعانيها.

يرى مراقبون أن اتساع هوة الخلاف بين موسكو وواشنطن، قد يدفع لتطورات خطيرة تهدد الأمن العالمي

وتهدف العملية بحسب كييف إلى طرد الموالين لروسيا من مبان للشرطة وأجهزة أمنية، وينفذ العملية مركز مكافحة الإرهاب في جهاز أمن الدولة بمشاركة قوات من وحدات أمنية مختلفة. في المقابل تنفي روسيا التدخل في الأحداث الحالية متهمة السلطات الأوكرانية بالمسؤولية.

وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف، إن أوكرانيا “تظهر عدم قدرتها على تحمل المسؤولية عن مصير البلاد”، محذرا من أن “أي استخدام للقوة ضد الناطقين بالروسية سيضعف إمكانية التعاون”، بما في ذلك المحادثات المقررة بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

غير أن الأمر لم يعد يعني كييف فقط، بل جل الداعمين الذين رفضوا بشكل مطلق التدخل الروسي في شؤون أوكرانيا التي عبّرت عن رغبتها في الاتجاه نحو الحضن الأوروبي وفك الارتباط مع موسكو.

وفك الارتباط ذاك لم يكن سهلا، حيث كشفت موسكو عن رغبة جامحة في ضم القرم، وهي الآن تهدد بمزيد التحرك لدعم الناطقين بالروسية والانفصال عن المركز، ممّا سبب الكثير من المشاكل للسلطات في كييف.

لكن العالم بدا يتحرك خاصة واشنطن التي حذرت موسكو من تداعيات مغامراتها في أوكرانيا وبدأ التباين الروسي الأميركي يخرج إلى العلن، ليس عبر تداعيات الأزمة الأوكرانية فحسب بل أيضا من عديد الملفات الأخرى.

وقد عقد مجلس الأمن، أول أمس، جلسة طارئة بخصوص أوكرانيا غير أنها لم تخرج بنتائج ملموسة نظرا لاختلاف الرؤى حول سبل الحل.

ويذهب المتابعون للخلاف الروسي الأميركي إلى أن الأمر قد يخرج عن السيطرة، ويحاول الطرفان تصفية بعض الحسابات من خلال الأزمة الأوكرانية. وتتهم وزارة الخارجية الروسية الولايات المتحدة الأميركية، بأنها تحاول توريط موسكو في ما يحدث في أوكرانيا. كما اتهمت الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، أندرس فوغ راسموسن، بأنه أخذ يزيد من نشاطه بالتحدث عن روسيا في الآونة الأخيرة، بطريقة تنم عن مواجهات ومتعمدا استخدام خطاب الحرب الباردة. في حين ترى واشنطن أن موسكو تسعى إلى نشر الفوضى في منطقة مهمة من العالم من خلال توظيف الأزمة الأوكرانية.

ويرى مراقبون أن اتساع هوة الخلاف بين موسكو وواشنطن، قد يدفع لتطورات خطيرة تهدد الأمن العالمي، خاصة وأن الأزمة الأوكرانية ليست هي النقطة الخلافية الوحيدة بين البلدين، فهناك الملف النووي الإيراني والأزمة المشتغلة الآن في سوريا.

12