هل الجهاديون الغربيون عدميون جدد

الخميس 2015/01/29

تتفق كل المصادر الأوروبية على أن عدد الجهاديين المنحدرين من أصول غربية يتراوح بين 20 و25 بالمئة في كل من العراق وسوريا. ومن يشاهد الفيديوهات الدعائية سيلاحظ حتما تلك اللغة السليمة التي يتحدثون بها سواء كانت إنكليزية أو فرنسية. يحتل الأميركيون المرتبة الأولى من حيث عددهم، اليوم، يليهم الفرنسيون. فكيف يمكن تفسير هذا التواجد الكبير، وما هو سر نجاح هذا التجنيد غير المسبوق الذي توصل إليه الجهاديون، إذ لم ينجح أي نزاع سابقا في جذب هذا العدد من الشبان الأجانب؟

يرى الباحث الفرنسي أوليفييه روا أن هؤلاء الشبان والشابات يبحثون عن حرب عصابات خاصة بهم، كما كان يفعل شباب الستينات من القرن العشرين، ولئن كانت الثورة ضد الرأسمالية قضية هؤلاء، فقضية شباب اليوم هو الجهاد العالمي.

ولكن لماذا الجهاد تحديدا؟ ما الذي جعل حوالي أكثر من 1300 مراهق ومراهقة فرنسيين، وحوالي 3000 من المشتبه بهم، حسب إحصائيات رسمية، يتخذون من الجهاد نهجهم في الحياة؟ لماذا صمتوا دهرا ونطقوا عنفا إذ لم يهتموا لسنوات وسنوات بأي قضية في أفريقيا والشرق الأوسط ولا حتى فلسطين، وفجأة ينتقلون بجنون للقتال في سوريا أو العراق أو الانضمام إلى مجموعات متطرفة عنيفة تنشط في الغرب والشرق على حد سواء؟

في كتابه الأخير “بحثا عن الشرق الضائع”، يقول أوليفييه روا إن هناك اليوم، في الشرق كما في الغرب، قطاعا من الشباب مفتونا بعدمية انتحارية قوية. والتقاء هذا الأمر بفهم معيّن للإسلام سرعان ما أعطى لهذه العدمية بعدا شاملا وابتدع لهؤلاء قضية يفرّغون عنفهم تحت لوائها أسموها الجهاد. وبكلمة واحدة لم يجد هؤلاء في السوق سوى قضية واحدة هي هذا “الجهاد”. ويلاحظ الباحث الفرنسي أن الدارسين والمعلّقين في الغرب لا يريدون رؤية نقاط التشابه بين شباب الشرق وشبان الغرب، ويشدّدون على نقاط الاختلاف ويميلون، بوعي أو دون وعي، إلى قراءة خاطئة لما يدور في العالم الإسلامي. فهم يركزون على صدام الثقافات دون رؤية الجانب المعولم من ظاهرة العنف الجهادي. وفي الحقيقة، فإن كل هذه النزاعات ما هي إلا علامة على انهيار ثقافي واحد.

وبغض النظر على أن الإرهابيين يمارسون القتل، فليس هناك فرق أساسي بين الشبان المشتغلين في المجال الإنساني وأفراد تنظيم القاعدة، فهم مناضلون رُحّل مستأصلون في أغلبهم، يقول المؤرخ فيصل ديفجي الأستاذ في جامعة أكسفورد في كتابه “الإرهابي، الباحث عن الإنسانية”.

تواجه المجتمعات اليوم عدمية جيل جديد، شبيبة مفتونة بالموت كما يظهر من خلال سلوكيات المخاطرة والمخدرات والأفعال الغريبة اللاعقلانية لعدد معتبر من أفراد هذا الجيل. ويشير كثير من علماء الاجتماع إلى انتشار أعراض أمراض نفسية خطيرة بين بعض الشبان جراء الإدمان على ألعاب الفيديو العنيفة والضغوط الاجتماعية وانسداد الآفاق.

وقد وجد الكثير من هؤلاء الشبان الضالين، ضحايا العولمة المحبطين المهمّشين في تنظيم “داعش”، غطاء شرعيا في نظرهم يصرفون فيه عنفهم ويشبعون رغبات الهدم الكامنة في أعماقهم. فـ“داعش” تقدم لهم ميدانا حقيقيا لتحقيق ذواتهم. وقد بتنا نراهم على الفيديوهات يشرحون كيف هم سعداء باختيارهم الموت كشهداء. لقد وجدوا معنى لحياتهم وموتهم لدى داعش. وكثيرا ما نسمع بعضهم يردد على الشبكات الاجتماعية والأفلام الدعائية كيف كانوا أشقياء وكيف أعطى الجهاد في صفوف داعش وغيرها معنى لحياتهم، ولكنهم في الحقيقة كانوا يبحثون عن معنى لانتحارهم، وفي نهاية الأمر، فهم غير معنيين لا بإقامة الدولة الإسلامية ولا بعودة الخلافة بل ما يهمّهم هو تحقيق/ تهديم ذواتهم ولو بحرق العالم كله.

ولئن كان الإسلاميون الكلاسيكيون يبحثون ويؤمنون بالمستقبل والوصول إلى الحكم وتطبيق الشريعة، فإن هؤلاء الجهاديين الجدد لا يتطرقون كثيرا إلى مجتمع ما بعد الجهاد، وبالتالي فهم انتحاريون لا مثاليون.


كاتب جزائري

9