هل الحرب حدث جماليّ

الاثنين 2013/11/04

نجح المتنبّي في صناعة أنموذج للبطل هو من الثقافة العربية صورة خيالية ظلّت مفرداتنا الأدبية وتعبيراتنا الاجتماعية، منذ يعرب القحطاني إلى الآن، تستحلبها كتابيا حينا، وتسعى إلى استجلابها إلى واقعها المعيش حينا آخر. حيث نلفي، مثلا، في ما بات يُعرف بـ"روميات سيف الدولة" ملامح ترتقي بهذا الحاكم من مقامه البشريّ إلى مقامات هي إلى الألوهية أقرب تحقُّقًا وجمالا.

ولعلّ انعدام وجود أبطال واقعيين جعلنا نميل، في النظر إلى ملامح البطل، إلى استعذاب جوانب القوّة فيه وجماليات فعله في منازلة الأعداء، إذْ، كثيرا ما نستذكر أبطالَنا ونتأسّى بأفعالهم من وفرة قتلانا في حروبنا ضد الغزو الخارجيّ أو الاقتتال الطائفيّ أو الإرهابي، على غرار ما وصف به المتنبّي صاحبه سيف الدولة في قوله: "أنتَ طولَ الحياةِ للرُّومِ غازٍ/ فَمتى الوَعْدُ أن يكونَ القفول؟". وهذا البيت لا يُخفي إنباءه بأنّ الحرب صارت حدثا جماليا محمولا في الشعر.

وإذا انطلقنا من القول بأنّ الجَمال ليس عالقا بالموصوف فقط، وإنما منه ما يُلحق به من باب التوصيف – وإذن فهو عرضيّ- جاز التأكيد أنّ للحرب جمالها الذي لا يتجلّى في عنفوان أحداثها ودمويتها، بل في ما يُخلّد عنها من ملاحم وأساطير تسكن ذاكرة الشعوب وتظلّ فيها معينا تخييليا يمتح منه خيال المبدعين رموزا وكنايات واستعارات لا تنضب دَلالاتها، هذا إضافة إلى ما يمكن أن ينتج عنها من فنون الموضة والفلسفاتِ والعلومِ والمقدّسات.

لكلِّ الحروبِ مُبَرِّراتُها العقائديّة والفكريّة والاجتماعية والسياسيّة. ولكلّ حربٍ مجرمون قادرون على القتلِ، ولكلّ حرب مظلومون ينالهم التقتيلُ دون أن يكون لهم في الأمر يد. غير أنه كلما نشبتْ حربٌ في الأرض انفتح بها بابانِ على الغيب: باب الجنة وباب الجحيم. أمّا الإبداع، فأبوابه ما يطفو على المخيَّلة البشرية من ملاحم تلك الحروب. ذلك أنه مهما وجدنا في الحرب من تجلٍّ لسعي الإنسان إلى الاستحواذ على أخيه الإنسان وغلبته، تظلّ فعلا حافزا للمغلوب ليصنع بطله ويسوّيه باللغة وفيها، وينفخ فيه من رغائبه في النصر بما يداوي به جراح هزائمه.

وعليه، كانت الحرب على مدار التاريخ البشريّ، سببا من أسباب توهّج الإبداع. فمن إلياذة هوميروس إلى نصوص محمود درويش، شكّلت الحرب فضاء ثَرّ الدّلالات، تُمتَحنُ فيه طينة الرجال، وتُصنع فيه القيم، وتينع فيه ذاكرة التاريخ.

وفي ذلك التاريخ، تختمر الكتابة عن الحروب، وتنضج رموزها. لأنّ فعلَ الحربِ، متى سجّله الإبداع البشريّ في مدوّناته، صار مُحيلا إلى جماليات جديدةٍ تقومُ على تجاوُزِ نظريّات الجَمالِ الفَنيِّ المألوفة لتؤسِّسَ لمعقوليات ذوقيّةٍ فيها من الخيرِ الفنيّ والأدبيّ الشيء الكثيرُ.

فالحربُ ابتعاثٌ فنّيٌ وأخلاقيّ تكاد تبلغ، على كثرة ويلاتها، درجة الضرورة الحافزة للإبداع، ولنا في النصوص الشعرية والنثرية التي ظهرت في خلال ثورات الربيع العربية، رغم ارتفاع كُلفتها، ما يمثّل عيّنة لذاك التحفيز.

14