هل الخطيئة الشعرية شر مطلق

بالتعاون مع نادي جازان الأدبي أصدرت الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت مجموعة “خطيئة مؤجلة” للشاعر السعودي عماد العمران، والتي تأتي بعد مجموعته الأولى “ومض في سديم العين” الصادرة عن أدبي الشرقية في 2007، وفي ما بين المجموعتين يشتغل العمران ضمن المشهد الثقافي المحلي عضوا فاعلا في مجلس إدارة نادي المنطقة الشرقية الأدبي منذ أكثر من سنتين. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر.
الجمعة 2015/05/15
لا يمكن لشاعر أن يواصل الكتابة الإبداعية دون الاطلاع المستمر والقراءة

مجموعة “خطيئة مؤجلة” للشاعر السعودي عماد عمران اشتملت على 28 نصا شعريا كثيفا يناجي من خلالها الشاعر عوالمه المحيطة به، ويحاول أن يستنطق عبرها صمت أسئلته الوجودية الجاثمة على قلبه.

لهذا نواجه في طيّات المجموعة شاعرا يفلسف الكائنات، ويُروْحِن الماديات ويمدّ بساط التصوّف واسعا بين لغته ومعانيها. لا يلتفت إلى معنى بعيد حتى يشبع ما بين يديه شعرا، وكأنه يلقم بملعقة اللغة فم الكون.

الفعل الخطيئة

يقول العمران “دعني أقل إنه لا يمكن لشاعر أن يواصل الكتابة الإبداعية دون الاطلاع المستمر والقراءة والكثير من التأمل، غير أن ذلك سلاح ذو حدين.

فمن جهة تثري القراءة المتواصلة فكر الفرد، وتفتح ذهنه على آفاق المعرفة المختلفة، ولكنها في نفس الوقت قد تحمل الشاعر على التوقف، حتى يتأتى له أن يبدع نصا مختلفا يذهب بالمتلقي إلى مناطق الدهشة”.

نصوص المجموعة امتدت متماسكة وراء بعضها الآخر، ولم يوقفها إلا أربع مقولات لإبراهيم الكوني، ووليم شكسبير، وأندريه جيد، والماغوط، جاءت كعتبات نصية جعل العمران كلا منها مدخلا إلى أحد نصوصه.

وعن ذلك يعلق العمران “كتابة النص الإبداعي فعل ارتكاب، وهي مرتبطة بالتمرد وعدم القبول عن وعي ومعرفة. ولهذا فهي خطيئة في عرف ما أو فكر ما.
نصان لعماد العمران من مجموعته الأخيرة

"رغبة"

تأخذني الرّغبة إلى سدرة الأخطاء/ تتعقّبني جيوش الذاكرة/ أضرب في كلّ الاتجاهات،/ ولا مخرج إلا عقلي/ منذور للوهم/ لا يؤثث بقائي سوى قلب يتطاير في أنحاء الجسد/ هل في هذا الجسد دم أصيل؟

هل فيه رغبة لا تنتابها الكائنات؟/ كل ما أحتاجه لاقتراف السهو والخطأ،/ كل ما يلزمني للسقوط المبجل هو الوقت/ منذ كنت، كانت الرغبة/ وما كان شكّا، أمسى الآن تفاصيل غير مهمة/ ما كان خطأ فادحا وواضحا،/ صار الآن عادة لها أجنحة ومنقار صلب/ صار لا بّد لابن الثلاثين أن يصنّف خطاياه،/ ويضع الرغبة في المراتب الأولى/ والنوم في المراتب الأخيرة ربما/ والحب في المرتبة التي تليق به/ تماما مثلما ننسق باقة من الورد.

"كان جديرا بالذهاب"

هيّأ المشهد ووضع النار على جسده،/ فاشتعلت مرايا كان قد علّقها في سقف يديه/ كتب للضوء وصاياه وأهداه ألواحه المكنوزة..

عهد إليه بالمستحيل والمحتمل والمعنى المؤجل للكلام/ مرّر الملح على فضة شفتيه، فتغشّاهما طين التآويل/ رسم على جدار السماء نجوما،/ لتكون سبيلا للضوء وهو يجتاز الليل/ انتخب صدفة وجوده العابر بالحياة..

فألقى جراحه ليقتات عليها الناس،/ باح لهم بأسرار المستقبل/ أرخى أعضاءه استعدادا للبياض،/ انتبذ سماء دانية،/ أطلق فراشة روحه للفضاء/ اختفى، وكان جديرا بالذهاب.

وقد أوردت في المجموعة ما كتبه بعض المبدعين في رؤيتهم للخطيئة كمفهوم حياتي ملتبس، حيث يعتقد الكثير أن الخطيئة شر مطلق. المقولات التي أوردتها لأربعة مبدعين مختلفين، هي فواصل أتمنى أن تحمل القارئ على مواصلة القراءة والتقصي وسبر أغوار النصوص”.

القارئ لتجربة العمران في مجموعتيه يلاحظ بوضوح تسرّب القاموس القرآني في تفاصيل جسد لغته، فسرعان ما سيستحضر المشهد القرآني، أو التقارب بين المناخات بلغة حداثية تحمل تأويلها الخاص. وهنا، يرى العمران أن ذلك ليس بمستغرب حيث يقول: القرآن الكريم هو واحد من الطرق التي اختارها الله للتواصل معنا.

وهو، بلا شك، نصوص إبداعية عظيمة، لا يمكنني بأي حال من الأحوال قراءتها وعدم التأثر بها. المعجم اللغوي الذي حفظته من كلمات القرآن محفور في لاوعيي. ولذا، لا أستغرب إن لاحظ المتلقي انحيازي إلى لغة القرآن، أو أحس بتسرب مصطلحات قرآنية في بعض نصوصي.

تجربة النشر

بالرغم من عزوف الكثير من الكتّاب السعوديين عن الطباعة في الأندية الأدبية لأسباب كثيرة، بعضها يعود لأسباب شخصية، وأخرى بسبب الخوف من سطوة الرقيب الرسمي.

نجد العمران يقدّم مجموعتيه لقارئه عبر الأندية. عن ذلك يعلّق الشاعر: تجربتي في الطباعة مع الأندية لها محاسنها كما لها مساوئها أيضا. فمن مساوئ تجربتي في مجموعتي الأولى سوء التوزيع، إذ لم أجد الكتاب في أي من المكتبات المحلية على انتشارها، ناهيك عن المكتبات في أي من الأقطار العربية.

وقد حاولت أن أتجنب هذا الأمر في طباعة مجموعتي الثانية “خطيئة مؤجلة”، وحرصت على أن أختار بعناية النادي الذي يتعاون مع إحدى دور النشر المعروفة، والتي لها انتشار واسع في العالم العربي، فجاء اختياري لنادي جازان الأدبي، الذي يتعاون مع الدار العربية للعلوم ناشرون، نتيجة للبحث المتأني. بالطبع لهذه التجربة مساوئها أيضا، ولكنني في النهاية سعيد بالتعاون مع أدبي جازان لإنجاز كتابي الثاني.

يؤكد العمران -وهو عضو في مجلس إدارة النادي الأدبي في المنطقة الشرقية الذي تسلّم للمرة الثانية مكافأة ملكية بقيمة 10 ملايين ريال سعودي (2666000 دولار تقريبا)- على أن مجلس الإدارة حريص على التصرف في المبالغ التي ترد إلى النادي بكل أمانة، والمجلس أخذ على عاتقه إكمال مبنى المقر الجديد والذي أمسى ضرورة ملحة في ظل صعوبة إقامة الأنشطة بالمبنى الحالي.

15