هل الدفاع عن الحق والعدل حكر على الرجل

العدالة وإرساء الحق والدفاع عن الخير كانت ولا تزال مهمة "ذكوريّة"، منذ ما قبل التاريخ إلى الآن. وفي زمن الأرباب والميثولوجيا اليونانية كان إله الخير والعدل ذكرا على الدوام.
الخميس 2018/03/15
ألعاب الفتاة لا تعكس فكرة تأصل الخير

كل الأطفال تقريبا يرغبون في أن يصبحوا رجال إطفاء أو ضباطا وشرطيين، في مرحلة ما من أعمارهم، ولذلك تمتلئ بيوتنا في هذه المرحلة بسيارات الإسعاف، وشاحنات الإطفاء، والبدلات العسكرية والمسدسات والقبعات الرسمية والأوسمة، وأهم شيء بـ”الكلبشات”.

“الكلبشات” تحديدا قطعة مهمة في حياة كل طفل، لأنها تمنحه السلطة والقوة الضروريتين للقبض على المجرمين والأشرار والخارجين عن القانون بدءا من الكراسي والوسائد والأمتعة، وصولا الى الشجرة في الحديقة!

شخصيا توجد لدي كلبشات معلقة بشجرة التفاح منذ ما يزيد عن خمس سنوات، فقد كنت مرة بصدد تفقد الشجرة وأوراقها عندما اقترب مني طفلي وسألني إن كنت أحاول القبض على الشجرة بسبب ارتكابها جريمة ما، وعندما أجبت بالإيجاب، وضع الكلبشات في جذعها قائلا “دعيني أفعل ذلك، فهي طويلة جدا ويصعب السيطرة عليها”، وطبعا ظلت الكلبشات هناك، قابضة على الشجرة منذ طفولتها بسبب جرم لا تعرفه، إلى أن تآكلت وعلاها الصدأ، وسقطت على الجانبين.

يميل الأطفال بشكل فطري إلى أن يأخذوا دور الشرطي (الخير) ضد الشرير والمجرم والخارج عن القانون (الشر) وهو ميل طبيعي نظرا لتأكيد الدراسات والبحوث على أن الخير متأصل في الإنسان ويولد معه وفيه، عكس الشر الذي يكتسبه الإنسان في مراحل لاحقة من ولادته.

أتساءل، والحال هذه، عن عدم وجود ما يبلور هذه الفكرة عند الفتيات الصغيرات اللاتي تذهب اهتماماتهن إلى أنواع أخرى من الألعاب والسلوكيات، فنحن نادرا ما نرى فتاة صغيرة تلعب بمسدس أو ترتدي بدلة ضابط أو تمسك بكلبشات تقبض بها على كل ما تطاله يدها من أثاث وأبواب وأواني مطبخ.

في المقابل حتى الألعاب التي تلعبها الفتاة بمفردها أو مع صديقاتها الصغيرات لا تعكس فكرة تأصل الخير داخلها ونزعتها إلى الانتصار له على نحو ما، أو اهتمامها المبكر بهذه الفكرة. فهل الخير متأصل في الذكر وغير متأصل في الأنثى؟

العدالة وإرساء الحق والدفاع عن الخير كانت ولا تزال مهمة "ذكوريّة"، منذ ما قبل التاريخ إلى الآن. وفي زمن الأرباب والميثولوجيا اليونانية كان إله الخير والعدل ذكرا على الدوام. الأنبياء والرسل جميعهم ذكور، المحاكم كانت أيضا دائما حكرا على الذكر، وهناك إلى يومنا هذا أنظمة كثيرة تمنع تولي المرأة لمنصب القاضي.

هذا الموروث الطويل من تقصد إقصاء المرأة عن مهمة الدفاع عن الحق والعدالة والخير، هو ما جعل فتيات اليوم يعزفن منذ الولادة عن تولي هذه المهمة بشكل فطري، فالفطرة بهذا المعنى ليست إلا ما ترسخ في وجدان البشر ولا وعيهم من معارف وخبرات وسلوكيات، وما خزنه العقل الجماعي للشعوب من تعاقدات وأفكار، ولو كانت الفطرة هي ما خلق الله البشر عليه لتساوى الجميع في النزوع إلى الدفاع عن الحق والانتصار للمظلوم.

عندما نبدأ في إيكال هذه المهمة للمرأة، مهمة الدفاع عن العدل والخير وإرساء الحق ومحاربة الشر والظلم والفساد، وعندما نثق بقدرتها على الانتصار لهذه المفاهيم الأساسية التي تبني البشرية حضاراتها عليها، وبموجبها تعلو أمم وتسقط أخرى، سيظهر جيل من الفتيات يحمل هذه القيم داخله منذ الولادة لأنها إذ ذاك تصبح جزءا من وجدانه وتركيبته وذاكرته الإنسانية. ساعتها فقط يمكن أن نعتمد على المرأة في إنقاذ المجتمعات من منحدراتها أو في إنقاذ البشرية وتخليصها من آثامها، سواء نظريا عن طريق تكريس فكرها وعقلها ووجدانها للدفاع عن هذه الفكرة الأصيلة، أو عمليا من خلال قيادة المجتمعات والمؤسسات والأنظمة الديمقراطية.

21