هل السود فقط مخوّلون لترجمة أدب السود

التماثل بين هوية المؤلف والمترجم معيار مهم كي نعبر عن أفكار وأحاسيس شخص آخر.
الاثنين 2021/05/03
الشاعرة الأميركية أماندا جورمان تثير الجدل في أوروبا

برلين - تسببت ترجمة قصيدة أماندا جورمان، الشاعرة الأميركية الشابة السمراء في اندلاع مناقشات في مختلف أنحاء العالم، بعد أن توقفت شخصية بيضاء البشرة عن ترجمة قصائدها إلى اللغة الهولندية، بسبب رد الفعل الهجومي عليها في منصات التواصل الاجتماعي، فما الذي حدث بالضبط؟.

الفتاة جورمان حازت على شهرة عالمية بعد أن ألقت قصيدتها “التل الذي نصعده”، أثناء حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن في يناير الماضي.

ووصف الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما هذه المناسبة في تغريدة على تويتر، بأنها “يوم يستحق أن يسجل في كتب التاريخ”، وقال مقتبسا مقطع من قصيدة جورمان إن “الشباب من أمثالها يبرهنون على أنه يوجد ضوء على الدوام، إذا كان فقط لدينا الشجاعة الكافية لأن نراه، وإذا كان لدينا فقط الشجاعة الكافية لأن نكونه”.

ويتناول موضوع القصيدة الانقسام والأمل والشجاعة، وكتبت من منظور جورمان، وهو منظور “فتاة سوداء نحيلة، انحدرت من سلالة العبيد”، وفقا لتعبيرها وكلماتها.

وبعد حفل الافتتاح أقدمت دور النشر سريعا على بذل كل الجهود، لنشر قصيدة جورمان. وفي هولندا كلفت دار نشر “مولنهوف” المؤلفة ماريكه لوكاس رينفلد وهي كاتبة شهيرة من ذوي البشرة البيضاء، وإن كانت تقول إنها من الجنس الثالث الذي يجمع بين صفات الذكورة والأنوثة، بترجمة النص إلى اللغة الهولندية، غير أنه بعد وقت قصير من إعلان هذا التكليف، انتقدت الصحافية ذات البشرة السوداء جانيس دويل هذا الاختيار، مشيرة إلى أنه توجد نساء كثيرات من أصحاب البشرة السوداء، أكثر جدارة وملاءمة للقيام بمهمة الترجمة، وقالت إنها ليس لديها أي اعتراض على شخص رينفلد، ولكنها وجدت أن اختيارها يمثل إشكالية.

ترجمة قصيدة أماندا جورمان تسببت في اندلاع مناقشات في مختلف أنحاء العالم، بعد أن توقفت شخصية بيضاء البشرة عن ترجمة قصائدها إلى اللغة الهولندية

وأثار هذا الانتقاد موجة من الجدل حول مفهوم العرق وصناعة النشر والترجمة، أو بشكل أكثر تحديدا حول من الذي يجب أن يكون في إمكانه التعبير عن أفكار وأحاسيس شخص آخر.

وفي إسبانيا اضطر أيضا المترجم الكتالوني فيكتور أبيولس إلى التخلي عن ترجمة القصيدة.

ومع ذلك أعربت الكاتبة الألمانية ميثو سانيال عن اعتقادها بأن حالة الجدل هذه، دارت بطريقة خطأ، مشيرة إلى أن الصحافية دويل لم تطلب على الإطلاق، أن يقوم أصحاب البشرة السوداء وحدهم بترجمة الأعمال الأدبية للمؤلفين السود، وقالت “أعتقد أن ما قالته دويل هو مجرد تعليق على أوضاع سوق نشر الأعمال الأدبية”.

وأوضحت سانيال أن هذه السوق ليست متنوعة كثيرا في هولندا وألمانيا، الأمر الذي يمثل مشكلة.

وترى سانيال أن الأدب يسعى لجعل الأشياء الجديدة جديرة بأن تكون محل تفكير، كما يمثل مرآة يرى فيها المجتمع وجهه، غير أن صناعة النشر لا تواكب هذه الرؤية، ونشرت سانيال مؤخرا كتابا في ألمانيا بعنوان “أيدينتتي”، يدور حول موضوعي الهوية والعنصرية.

وتقول إن الجدل الدائر حول قصيدة جورمان يعد مثالا لهذه المشكلة، ومن الصعب معرفة نسبة الأشخاص الملونين في صناعة النشر.

وذكر متحدث باسم الرابطة الألمانية للمترجمين، أن المهنة ليست متمتعة بالحماية.

وقال المتحدث “إن هذا يعني أن كل شخص يريد أن يترجم يمكنه ذلك، ولا يعلم أحد كم عدد الزملاء العاملين بمهنة الترجمة ومن أي أصل ينحدرون، ووجود أصحاب البشرة الملونة هو استثناء”، وأضاف أنه من ناحية أخرى يزداد الطلب على هذه الفئة الأخيرة، حيث يبحث الناشرون عن “مترجمين لديهم خبرة معينة وينحدرون من أصول اجتماعية وثقافية مختلفة”.

وفي هذا الإطار ترى سانيال أن التماثل بين هوية المؤلف والمترجم يعد معيارا مهما، ولكنه واحد من بين معايير كثيرة.

وبالنسبة إلى حالة جورمان قد يكون هذا التصور مهما بشكل خاص، حيث أن أعمالها تتناول هويتها كسيدة سوداء، ومن هنا يمكن من حيث المبدأ إعطاء الأولوية لهويات معينة لتقوم بمهمة الترجمة، ليس للتأكيد على هدف سياسي وإنما لتقديم عمل أدبي مترجم بصورة أفضل.

الأدب يسعى لجعل الأشياء الجديدة جديرة بأن تكون محل تفكير غير أن صناعة النشر لا تواكب هذه الرؤية

وفي هذا الصدد تقول سانيال “من الخطأ أن نسأل من الذي يستطيع أن يترجم ومن الذي لا يستطيع؟ ولكن من الأفضل أن يكون السؤال: ما هي الترجمة النموذجية التي نريدها”؟

وتعرب عن ثقتها في أن فريق ترجمة القصيدة الألماني يؤدي مهمته بشكل مثالي، وتقول إنه عثر على حل “رائع تماما”.

ويضم الفريق الذي تشكل قبل بدء موجة الجدل، من مترجمة الأعمال الأدبية والشعرية أودا شتراتلنغ، والمؤلفة ذات الحساسية في استخدام اللغة كويبرا جويميساي والصحافية والباحثة في شؤون العنصرية هديغة هارونا أولكر.

وانتقدت الألمانيات الثلاث أيضا الجدل الدائر باعتباره عملا لا إراديا لا ينم عن التفكير، وليس له عمق كاف، وقلن إن “الأمر لا يتعلق بإقصاء شيء ما، ولكن بتوسيع أفق نظرة الشخص”، ويوضحن أن “الأمر يتعلق أيضا بوضع هياكل القوة الحاسمة” بصناعة النشر الراسخة موضع تساؤل.

وطلبت جورمان بوضوح من الناشرين الأوروبيين التوصل إلى حل يراعي التنوع، وترى النساء الثلاث أن ترجمة قصيدتها تعد “تجربة استثنائية رائعة وحافلة بالبهجة”، وبالنسبة إلى الترجمة فقد قمن بدراسة القصيدة ومناقشة كل بيت فيها بشكل مكثف.

ولم يكن الأمر كله سهلا، فقد كانت هناك مشاورات واضطر فريق الترجمة إلى الاتصال بجورمان، في ما يتعلق ببعض التساؤلات الخاصة بتفسير عدد من المعاني بالقصيدة.

15