هل الشعر العربي بخير؟

الجمعة 2016/11/18

على عكس ما يعتقده البعض، يكتسب الشعر العربي وهجا جديداً من حيث تزايد كتّابه، وتملّصه من الرقابة التي فرضت عليه سابقا أن يخفي خطابه بقناع أو تورية أو رمزية، ذهبت ببعض الشعراء مثل بدر شاكر السياب ومن تبعه إلى الاستعانة بالأساطير لإنشاء خطاب شعري يعبر عن روح عصره بطريقة رمزية. ولكن لا ننسى هنا أن نلفت إلى أن الترميز أو استعمال القناع وإن ولد نتيجة نظام عام كابت للحريات، فإنه كان أيضا لعبا فنيا توسله الكثير من الشعراء.

وهج الشعر العربي اليوم الذي خلقه جو من التحرر شاع بين الأقطار العربية ولا يمكن قمعه، يمكننا أن نلتمسه في تجرؤ الكثيرين على قراءة الشعر وكتابته متحررين من الأشكال والقواعد، في قدرته العجيبة على الإمساك بأشد اللحظات المسرعة وتكثيفها، وفي اجتراح النصوص الشعرية لمجاهل مختلفة والتصاقه ببيئته وتفاصيلها، لكن كل ما أسلفنا ذكره هو أيضا علّة الشعر التي أدخلته في دوامة هائجة من التشتت.

تبقى الجرأة من قبيل الحرية باب الكتابة الأول، لكنها لا تكفي لأن يكتب أحدهم شعرا، جميل أن يطمح أحدهم إلى كسر الجدران لكن من غير المعقول أن يحاول بحجة كسر الجدران تهشيم كل المنجزات البشرية كاللغة مثلا، حيث بتنا نرى ظواهر تمرد جاهلة عن اللغة، لا وعي فيها يمكنه أن يجدد دم اللغة من داخلها لا بمحاولة تحطيمها، حيث تغص مواقع التواصل الاجتماعي بشعراء يتضاعف عددهم في كل يوم، لكن أغلبهم لا وعي فنيا أو لغويا أو فكريا له، طبعا من حق أي كان أن يكتب وهذا لا جدال فيه، لكن ما ليس مقبولا هو أن يتحول بعض هؤلاء الخارجين عن الأدب الرسمي إلى رسميين جدد، وتجارب تجعل من كل ما يخالفها هامشا.

من جهة أخرى فإن اتجاه بعض النصوص الشعرية العربية اليوم، إلى كتابة التفاصيل والالتصاق ببيئتها اقتداء بالشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، ساهم في خلق حياة جديدة للشعر في الهوامش حيث حريته التي افتكتها منه زمنا المنبريات والتهويمات الغنائية وغيرها من ديكور الأدب الرسمي، لكن كتابة التفاصيل أيضا تحتاج إلى وعي بالأشياء وبالجزئيات الدقيقة لاستخراج عالم شعري منها، وهذا ما يغيب في أغلب النصوص التي تدعي كتابة التفاصيل واليوميات، حيث تظل النصوص مجرد تعداد ركيك في جمل اسمية لأسماء وأشياء في كيس النص الذي تقفله جملة مخاتلة كقطعة حبل مهترئة.

ظاهرة غريبة أيضا باتت تشوب الشعر العربي، ألا وهي التأثير السلبي للشعر المترجم، فرغم ما للترجمة من أهمية في إبراز مناطق ومناخات أدبية جديدة يمكن الاستفادة منها والانفتاح على عوالم أخرى، لكنها خلقت في بعض ما يكتب من الشعر العربي اليوم نمطا ركيكا بداية حتى من بنية الجملة العربية التي تحولت إلى جملة اسمية بالضرورة، وبعضهم راح يكتب “هايكو” عربيا، (وهذا سنخصص له لاحقا موضوعا)، إضافة إلى أن البعض لا يقحم في نصه إلا أسماء ورموزا غربية وبشكل سطحي، حيث لا تراعى فيها الخصوصية اللغوية وبالتالي خصوصية كل رمز وكل اسم يمكن استقدامه، لذا من الضروري الوعي للانفتاح على بيئات جديدة واستخدامها حتى.

أضف إلى تنميط الترجمة فإن بعض الشعر العربي بات أيضا مرتهنا لكسل كبير، حيث يكفي هيكل واحد لنص شعري لتكتب به مجموعة لا نهائية من النصوص، إذ تضاءل الاشتغال على فكرة للنص ورفده بما خارجه، كما لا يوجد وعي بإيقاع اللغة. مسألة الإيقاع أيضا تمثل إشكالية خاصة لشعراء مواقع التواصل، حيث لا يعلم أغلبهم الإيقاع العروضي ولا الإيقاعات البلاغية ولا إيقاع الحروف في حد ذاتها، هذا علاوة على فقر المعجم الشعري لهؤلاء، فقد تجد من لا يتجاوز معجمه الـ20 كلمة يرددها كيفما اتفق. ونعود في كل هذا إلى قلة الوعي، هذا إن لم نقل انعدامه، والتجرؤ الذي تحول مع الكسل من نقطة تحرر إلى نقطة تسطيح وسذاجة.

بدأنا حديثنا بوهج الشعر العربي، وفعلا رغم ما عددنا من إشكالات مازالت متكاثرة متناسلة، فإن الشعر العربي لم يكن بخير مثلما هو اليوم، حيث لا أصنام، وتآكلت القيود، ما يمكن من فتح نقاشات حرة، وكتابات حرة، تأتي بالجديد والمبهر كل يوم، ولنا في ما يكتبه العديد من الشعراء الجدد من شعر حار يبث حياة جديدة في اللغة من خارجها، مثال على ذلك.

شاعر من تونس

14