هل الشهرة دليل نبوغ

الخميس 2015/08/20

هل الشهرة دليل على جودة أعمال صاحبها، وتفوقه في مجاله، وتميزه عمن سواه، وعلامة من علامات نبوغه ؟ صحيح أن للشهرة قوة تفوق الأفعال، ولكنها قد تكون ظرفية عارضة تزول بزوال صاحبها، فقد أثبت التاريخ أن الشهرة غير المستحقة أو الزائفة التي يحوزها هذا الكاتب أو ذاك لا تصمد بعد رحيله، وأن الغربلة التي تتمّ بعد الوفاة لها الفضل في وضع كل واحد في المكان الذي هو أهل له، لأن الدارسين ساعتها لن يكونوا أسرى هالة الراحل وحضوره وعلاقاته وعدد المعجبين به، بل سيركزون اهتمامهم على نصوصه وحدها، فهي التي ستثبّته في القمة إن كان جديرا بها، أو تنزله إلى درجة دنيا، أو تحيله هو وأدبه إلى همل منسي.

والحق أن الشهرة لعوب، فكثيرا ما تتمنع على من هو جدير بها، ولنا في تاريخ الآداب أمثلة وعبر. فغوته مثلا، رمز الآداب الجرمانية الآن، كان في عصره أقل حظوة من كاتب ضامر يدعى أوغست فونتين. ودانتي لم يكن أسعد حظا عند نشر رائعته الكوميديا الإلهية، إذ تجاهلها الفلورنسيون إلا نفرا من أصدقائه ومقربيه.

ونيتشه لم يكن يبيع من كتبه أكثر من عشرين نسخة في السنة كان ينشرها على حسابه الخاص، ولم تحقق الانتشار إلا بعد أن استولت أخته على مخطوطاته. أما بروست فقد كان قبلة سهام عدد من كبار الكتاب الفرنسيين، بعد نشر الجزء الأول من “في البحث عن الزمن الضائع”، مثل كلوديل وبول فاليري وسيلين وإيلوار وأراغون، وكان أندري جيد قد رفض نشره في دار غاليمار التي كان يشرف عليها، ونعت مؤلفه بكونه هاويا حريصا على الحياة وملذاتها، ولو أنه تراجع عند ترحيب بعض النقاد بالكتاب واعتذر للكاتب.

ثم جاءه النقد اللاذع من الألماني ريلكه الذي لم يعجبه الكتاب ولا أسلوب صاحبه، مشبها كثرة عناية بروست بالتفاصيل والجزئيات بتشكيلة أشياء وموجودات. وكذلك من البولندي فيتولد غمبروفيتش الذي أدان نوعا من الجمالية المفتعلة، وعناية الكاتب بمظاهر الحياة العادية. ولكن ذلك لم يمنع النقاد من اعتبار “البحث” رائعة من روائع الأدب الفرنسي، ولا من وَسْم بروست بالنابغة.

لقد أثبت التاريخ أن الإنسان طالما هو حي يرزق، يمكن أن يكون ثمة وهم في مجده، أو سوء تقدير لعطائه. ومهما يكن من أمر فالشهرة غلاف زائل بمرور الزمن، أما الجوهر الباقي فهو المحتوى، أي النص. وكما يقول المثل عندنا “ما يبقى في الواد غير حجره”.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15