هل العرب كائنات دينية أبدية

الأحد 2017/01/08

أتذكر لقائي أيام الخدمة الوطنية في الجزائر مع شاب فرنسي جزائري كان يجهل اللغة العربية الفصيحة والشعبية معا، ومع ذلك جاء لأداء خدمته الوطنية في الجزائر وكان أستاذا للفلسفة الحديثة في جامعة فرنسية.

وأذكر أنه لم يصدق في أول دردشاتنا الفلسفية أن كل دراستي كانت في الجزائر إذ كان يظن أننا لا نسمع لا بديكارت الذي كان متخصصا في فلسفته ولا نيتشه ولا سارتر.. و كان يظن أنني أمزح حينما قلت له يوما إنني أملك تقريبا كل مؤلفات كارل ماركس باللغة العربية.

لم يكن الرجل الأكاديمي يعرف أن كل الفلسفة الغربية هي في متناول قراء العربية تقريبا بغض النظر عن مستوى الترجمات الأولى بطبيعة الحال. وقد أحضرت له نسخة من “الأيديولوجية الألمانية” باللغة العربية إلى الثكنة هدية فأصيب بالذهول.

وفي الحقيقة كنت أنا أيضا حائرا في أمره وقد خلخل فعلا في ذهني تلك الصورة التي كنت أحملها عن المدرسة الفرنسية إذ كنت أظن ساذجا أنها كانت تُدرّس مالك حداد وكاتب ياسين ومحمد ديب وغيرهم مثلما كنا نحن ندرس موليير وفيكتور هوغو و جان بول سارتر في مدارسنا.

ومنذ أن وصلت إلى فرنسا في بداية التسعينات من القرن العشرين والتحاقي بالجامعة وأنا مشغول بمسألة نظرة الفرنسيين ومدى اطّلاعهم على ما يحدث في بلداننا من الناحية الثقافية والأدبية والفكرية، وأصبحت عندي عادة فيها شيء من الخبث هي محاولة استدراج من تتاح لي فرصة الدردشة معهم من الفرنسيين إلى الحديث عن الثقافة العربية عموما والفكر العربي المعاصر على وجه الخصوص، وسواء كان الأمر متعلقا بمثقفين وفلاسفة من الوزن الثقيل أو حتى ناشطين في المجتمع المدني أو أناس عاديين، كنت أخرج في أغلب الأحيان وأنا أجر أذيال الخيبة إذ لا أكاد أصدق مدى المسافة التي تفصل الفرنسيين وما ينجز من فكر في العالم العربي رغم الاحتكاك والقرب الجغرافي.

يجهل الكثير من أساتذة الفلسفة في فرنسا مثلا أن مادة الفلسفة تدرس في الجزائر ولبنان والمغرب وتونس ومصر، أما الذين وصلهم ذلك الخبر فيعتقد أغلبهم أننا لا نتعامل مع الفلسفة الغربية وأن دروسنا الفلسفية لا تعدو أن تكون دروسا في الفكر الإسلامي لا غير.

ومرة سألت الفيلسوف الفرنسي لوك فيري إن كانت لديه فكرة عن الفلسفة العربية اليوم، فراح يحدثني عن ابن سينا وابن رشد ويصف “فصل المقال” بأنه عمل رائع كان له التأثير الكبير جدا على العالم المسيحي وآدابه، وأن مؤلفه شارح كبير لأرسطو. فكأن ساعة الزمن العربي قد توقفت عند حدود القرن الثاني عشر!

وفي حوار آخر سألت في المدة الأخيرة الروائي والفيلسوف الفرنسي باسكال بروكنر ما إذا كان هو الآخر له بعض اطّلاع على الفكر العربي المعاصر وهل يعتقد أن المثقفين العرب يقومون بدورهم في مواجهة التطرف الديني؟ قال نعم وذكر لي مجموعة من الروائيين: سلمان رشدي وأيان هيرشي علي و إرشاد مانجي وتسليمة نسرين وتأسّف عما يحدث لكمال داود! وإذا كان سلمان رشدي بريطانيا من أصل هندي و إرشاد مانجي كندية من أصل هندي أيضا وتسليمة نسرين من بنغلاديش، يبقى فقط كمال داود هو الممثل الوحيد للفكر العربي المعاصر إذا صدقنا صديقنا بروكنر!

أما الفيلسوف المناهض للاهوت صديقنا ميشال أونفري، فقد أرسلت له يوما نصا نشرته باللغة الفرنسية أشدت فيه بالمفكر عبد الله القصيمي كان تحت عنوان “عبد الله القصيمي، من الوهابية إلى الإلحاد” وسألته إن كان قد سمع بهذا المفكر العربي؟ وكان النفي إجابة.

لماذا لا يصل الفكر العربي المعاصر بأسمائه الكبيرة إلى فرنسا على الرغم من وجود بعض ترجمات محتشمة منتقاة؟ فلا صدى على سبيل المثال لا الحصر للمفكر جورج طرابيشي ولا محمد عابد الجابري ولا محمود أمين العالم ولا نوال السعداوي ولا علي حرب ولا صادق جلال العظم وغيرهم، في حين يحتفل في باريس بروائيين وروائيات من الدرجة الثالثة وينصّبون كمفكرين طليعيين في العالم العربي لسبب وحيد هو أنهم يكتبون باللغة الفرنسية.

فهل هي مسألة مغلوب يقلد غالبا كما يقول ابن خلدون؟ أم هو جهل واستعلاء غربي؟ أم مرد ذلك هو انعدام المؤسسة العربية القوية التي يمكن أن تروّج للفكر العربي وتوصله للغرب؟ أم أن الغربيين والفرنسيين على وجه الخصوص ينظرون إلى العرب/الأمازيغ على أنهم كائنات دينية أبدية قد تحسن ربما الحكي ولكنها لا يمكن أن تصل إلى درجة التفكير العقلاني؟

كاتب من الجزائر

11