هل العقوبات الجنائية للغش في الامتحانات كفيلة بالقضاء عليه

اهتمام الطالب بالنجاح في الامتحانات وإهماله للتعلم والاستفادة الفعلية من المؤسسة التربوية أفرزا ظواهر عديدة شوهت قداسة التعليم، مثل الغش في الامتحانات. وتسعى كل النظم التربوية في العالم لا سيما دول العالم الثالث والدول العربية إلى القضاء على هذه الظواهر عبر اتخاذ العديد من الإجراءات والقوانين لمعاقبة كل من يشارك في عملية الغش. وبالنظر إلى تفشي الظاهرة وصلت عقوبات الغش إلى العقوبات الجنائية وهي خطوة أقدمت عليها مؤخرا وزارة التربية والتعليم المصرية.
الثلاثاء 2015/11/10
القطع مع الغش في المؤسسات التعليمية لا يمر دون مراجعة منظومة الامتحانات

القاهرة - يعتبر الغشّ في الامتحانات سلوكا منحرفا وخطيرا يهدد جودة مخرجات المدارس والمعاهد وخاصة الجامعات، لذلك عمدت العديد من الدول إلى اتباع قوانين صارمة في محاولة لردع المقدمين عليه.

ولئن تعددت الأساليب الوقائية والتوعوية الموجهة خاصة للطالب حول خطورة هذا السلوك إلا أن ذلك لم يقض على الغش الذي ما فتئت طرقه تتنوع وتتطور مواكبة تطور التكنولوجيات الحديثة التي لعبت دورا هاما في السنوات الأخيرة في تفاقم أعداد حالات الغش.

وفي نهاية كل عام دراسي تطلعنا وزارات التعليم العربية على أعداد متصاعدة من حالات الغش الذي بات مقترنا بالعنف تجاه من يكتشفه وتجاه المراقبين في قاعات الامتحان من الأساتذة والمعلمين وغيرهم.

هذا ما دفع وزارة التعليم في مصر إلى اعتماد عقوبات جنائية على كل من ساعد على الغش أو تسريب الامتحانات، سواء باليد أو عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وهي المرة الأولى في تاريخ التعليم المصري التي يتم فيها إقرار عقوبات تصل إلى الحبس في مجال التعليم.

وينتظر المسؤولون عن المنظومة التعليمية في مصر، أن تمر امتحانات هذا العام بسلام، دون تسريب لأي ورقة أسئلة، أو وقوع حالات غش إلكتروني، بعد اعتماد قانون وافقت عليه الحكومة، واعتمده الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مؤخرا، يقضي بتطبيق عقوبة الحبس والغرامة على كل شخص يساهم في الغش، أو يقوم بتسريب الامتحانات.

ونصت المادة الأولى من القانون على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة تتراوح بين 2500 و6200 دولار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من طبع أو نشر أو أذاع، أو روج بأي وسيلة، أسئلة أو أجوبة امتحانات تتعلق بمراحل التعليم المختلفة، العامة أو الخاصة، وكان ذلك في أثناء عقد لجان الامتحانات، بقصد الغش أو الإخلال بالنظام العام للامتحان، سواء تمت الجريمة داخل لجان الامتحان أو خارجها.

لكن وزارة التعليم المصرية لم تكن سباقة في مجال العقوبات الجنائية في ما يخص الغش في الامتحانات بل سبقتها في ذلك وزارة التربية في المملكة المغربية، حيث قدم وزير التربية مشروع قانون صادقت عليه الحكومة لتتم دراسته من طرف اللجنة البرلمانية المختصة بقطاع التعليم، ويتضمن القانون عقوبة سجنية وغرامة مالية على مرتكب الغش، وحدد النص مفهوم الغش في ممارسة “شكل من أشكال التحايل والخداع في الامتحانات المدرسية والمتوجة بالحصول على إحدى الشهادات أو الدبلومات الوطنية”، من قبيل استعمال وثائق مزورة قصد المشاركة في الامتحان، وتعويض المرشح المعني باجتياز الامتحان بغيره، وتسريب مواضيع الامتحان للغير قبل إجراء الامتحان أو المساعدة في الإجابة عليها، وتبادل المعلومات كتابيا أو شفويا أو بأي وسيلة أخرى بين المرشحين داخل فضاء الامتحان، وحيازة أو استعمال المرشح لآلات أو وثائق ومخطوطات غير مرخص بها داخل فضاء الامتحان، وحيازة أو استعمال الوسائل الإلكترونية.

استفحال ظاهرة الغش، مؤشر على خلل في المنظومات التربوية التي عجزت عن تحفيز الطالب على التعلم لغاية العلم

التوجه نحو تجريم الغش واعتباره قانونيا وتشريعيا في مستوى الجناية التي تعرض مرتكبها إلى السجن أو الغرامة المالية يقدم دليلا قاطعا على استفحال ظاهرة الغش، وهي مؤشر يدل على خلل في المنظومات التربوية العربية التي عجزت عن تحفيز الطالب على التعلم لغاية العلم والتربية، وصنعت منه شخصا مثابرا على تحقيق النجاح والحصول على شهادة علمية دون الاهتمام بالمستوى الحقيقي لتحصيله العلمي ولا بالكفاءة التي اكتسبها من التكوين الذي تلقاه ودون التساؤل عن جودة مؤهلاته وقدرتها على تمتيعه بقوة تنافسية تخول له الحصول على الوظيفة عن جدارة في منافسة أقرانه من خريجي الجامعات والمعاهد الغربية والدولية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل أن توخي العقوبات الجنائية في مواجهة الغش قادر على القضاء على هذه الظاهرة؟ وهل ذلك كفيل بردع المقبلين على ارتكابه بدافع الخوف؟

ولأن الغش من الظواهر المستشرية في مؤسسات التعليم العربية تبدو معالجته أكبر من العقوبات لأن العديد من الدول العربية ومنها تونس وصلت صرامة عقوباتها للغشاشين إلى منع مرتكبيه من اجتياز الامتحانات والمناظرات الوطنية لسنوات وأحيانا يتم طردهم نهائيا من المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة، وبالتالي القضاء على مستقبلهم التعليمي بشكل كامل، لكن ذلك لم يمنع الارتفاع المطرد لنسب التلاميذ والطلبة الذين يلتجئون إلى الغش خاصة في ظل ما تقدمه التقنيات الحديثة للاتصال من تسهيل للعملية.

هذا ما يحيلنا إلى أن القطع مع الغش في المؤسسات التعليمية لا يمر دون مراجعة المنظومة التربوية والوقوف عند الأسباب التي تدفع الطالب إلى الغش وإلى التركيز على النتيجة لا غير دون إعارة أبسط درجات الاهتمام للتحصيل العلمي. هذه الأسباب لا تتعلق فقط بالطالب وبالجانب الشخصي والأخلاقي بل تتجاوزه إلى النظر في جودة البرامج التعليمية وقدرتها على منح شهائد لخريجين أكفاء قادرين على دخول سوق العمل الكفيل باستيعابهم في مختلف تخصصاتهم.

17