هل الفلسفة طريق إلى السعادة؟

ما يروج حول "فلسفة السعادة" ليس سوى تحريف للعودة إلى حِكم العصور القديمة بعد أن بات دعاتها على قناعة بأن الفلسفة المعاصرة حادت عن مجراها.
الخميس 2020/08/06
السعادة لغز يحار البشر في تحديده (لوحة للفنان بسيم الريس)

في عصر ازدهرت فيه الأديان والتقنيات الجسدية والحميات الغذائية وعلم النفس، ماذا يمكن للفلسفة أن تقدمه للفرد كدليل سلوك في الحياة؟ سؤال ما فتئ يطرح على الفلاسفة في الأعوام الأخيرة، وكأن للفلسفة دورا في تحسين أنماط العيش، وتقديم وصفات جاهزة، صالحة للاستعمال في كل مكان وفي أي ظرف، لكي يبلغ الإنسان السعادة.

“الفلسفة طريق إلى السعادة” شعار يرفعه بعض الفلاسفة المحدثين في فرنسا منذ بضعة أعوام، يعتقدون أن الفلسفة كانت في بدايتها نمط حياة وليست مجرّد بنية نظرية، وأنها تستمد جدواها من التمفصل بين الفكر والحياة الواقعية، وأن الناس كانوا يدخلون في الفلسفة كما يدخلون في الدين، ولا ينخرطون فقط في مدرسة فكرية بل في مدرسة حياة أساسا.

وفي رأيهم أن النظريات الأكثر تجريدية كانت تهدف إلى الفهم لأجل سلوك أفضل، فغايتها لم تكن إنشاء منظومات، بل توفير شيء آخر غير المقاربة الفكرية للعالم.

الفلسفة والسعادة

المدارس الفلسفية، فيثاغورية كانت أم قدرية أم أبيقورية، كانت تشكل مجموعات تعتنق نمط حياة تُعقد فيها الصداقات ويجد في رحابها المريدون مرشدا يرافقهم في مسارهم الروحي، أي أن تلك المدارس كانت وسيلة لتغيير الذات، حيث لا يفكر المرء كفيلسوف بل يعيش كفيلسوف، وهو ما أكده ميشيل فوكو وبيير هادو في محاضراتهما عن تصور العمل الفلسفي في العصور القديمة.

ولم يكن المعلمون في حاجة إلى ترك آثار مكتوبة، على غرار سقراط وبيرّون وديوجينوس الكلبي. ولو أن هادو يرفض وضع النظرية في مواجهة التطبيق، والخطاب الفلسفي مقابل نمط الحياة، فالخطاب الفلسفي لديه، كما سبق أن بيّن في كتابه “ما الفلسفة القديمة؟” يمكن أن يكون له ملمح عملي، إذا ما جنح إلى إحداث أثر في المستمع أو القارئ، أما نمط الحياة، فقد لا يكون نظريا بل هو تأمليّ. وفي رأيه أن الخطاب الفلسفي يقع ضمن نمط الحياة، وأنه ليس مستقلا بذاته كنصّ يحلّق في عالم الأفكار.

ليست كل التيارات الفلسفية ساعية لجعل السعادة غاية حياة الإنسان
ليست كل التيارات الفلسفية ساعية لجعل السعادة غاية حياة الإنسان

إن تاريخ الفلسفة منذ العصور القديمة يبين أن الطرق إلى الحكمة عديدة، وأنها لا تروم كلها بلوغ السعادة، وإن كانت تجيب في معظمها عن الأسئلة التي تراود البشر كمعنى الحياة، والموت، والحرية، والخير والشر، والخلاص… قد تحضّ على الفضائل، وقبول عبثية الحياة وهشاشة الوجود، والعيش في تناغم مع المعتقدات الدينية، ولكنها تساعد المرء على النظر إلى الكائنات والوجود بشكل مغاير، وتمعّن موقعه في هذا العالم وتحديد دوره فيه، وتوسيع أفقه، وتجاوز مقاربة هذه الأسئلة كلها من زاوية ذاتية صرف، ما يعني ألا وجود لوصفة نمط عيش سعيد جاهزة، بل إن كل فرد يستعين بتعاليم الفلاسفة في بناء الطريق الذي يختار، مع الالتزام بهاجس إيثيقي قوامه حرص الفرد على إيجاد تناسق بين أفكاره ووجوده.

ولكن ليست كل التيارات الفلسفية ساعية لجعل السعادة غاية حياة الإنسان، وهو ما يشهد به كانْت، وكان يعتقد أن معنى الحياة الإنسانية يكمن في أداء الواجب. فليس من مهمة الفلسفة أن تكون بضاعة استهلاك في سوبرماركت العيش السعيد، وحتى من يفكر في طريقة عيشه وموقعه في العالم وعلاقته بجسده وبالآخرين لا يحصر جهده في البحث عن السعادة.

صحيح أن ثمة في تاريخ الفلسفة بعدا هامّا للحكمة وتمارين تطبيقية لتحويل المعيش اليومي، ولكنه لم يكن بُعدَ الفلسفةِ الوحيد، وأن يقع التأكيد عليه وحده في هذه المرحلة أمر يبعث على الريبة.

 فما يروج الآن حول “فلسفة السعادة” أو “الفلسفة – السعادة” ليس سوى تحريف للعودة إلى حِكم العصور القديمة، بعد أن بات دعاتها على قناعة بأن الفلسفة المعاصرة حادت عن مجراها، وأهملت الإنسان في بحثه الدائب عن حلول للمشاكل التي تواجهه، حتى يعيش عيشة كريمة، هانئة، وفي الأقل تساعده على تلطيف مخاوفه من مشكلات الحاضر، ومخاطر المستقبل، وتجعله يعيش لحظته بامتلاء. بيد أنهم يحيدون هم أنفسهم عن مفهوم الفلسفة نفسه، أي حبّ الحكمة، ليجعلوه مطية لتحقيق غايات أغلبها ماديّ.

المستهلك والحكيم

في كتاب “الفلسفة لا تصنع السعادة… وهذا أفضل!” كشف المفكر روجي بول درْوا عن الخلط الدائم بين رفاه المستهلك المعاصر وبين راحة بال الحكيم القديم، كما بيّن أن منح الفلسفة دورا مركزيا في خلق سعادة مضمونة، دون الالتفات إلى نقد كانْت للسعادة كمثل أعلى للخيال، والتساهل في الربط بين سعادة القدامى والفكر الإيجابي لتنمية الذات رغم أنها ليست سوى إزالة وهمية لما هو سلبيّ.

وفي رأيه أن هذا الفكر المزعوم يساهم في “التوتاليتارية المشرقة” التي يرسي قواعدها المجتمع الحالي، بمساعدة أطراف كثيرة، فأن تكون سعيدا في أي وقت وحيثما كنت بات أمرا إجباريا، في البيت، في العمل، في الشارع… هذه السعادة تظن أنها يمكن أن تقضي نهائيا على كل بعد سلبيّ في الوجود، فإذا هي نوع من العبودية الطوعية، فالخضوع لا يكمن فقط في إطاعة نموذج حياة معدّ مسبقا، بل يكمن أيضا في تصور السلبيّ كشيء قابل للزوال نهائيّا، فلا مرض، ولا ضيق، ولا جزع، ولا حزن، ولا كآبة، والحال أن هذا الفردوس الاصطناعي يمنع كل فكر، وكل حرية، لأنهما لا يَنشآن إلا بالصراع ضد السلبيّ.

تاريخ الفلسفة منذ العصور القديمة يبين أن الطرق إلى الحكمة عديدة وأنها لا تروم كلها بلوغ السعادة

ويعزو بول دروا هذا الانحراف إلى عوامل عديدة، منها إعادة اكتشاف نصوص ومواقف من العصر القديم، وتدني المطامح النظرية للفلسفة التي قطعت صلتها بالعلوم والحقائق المعاصرة، إضافة إلى تطور الدور الاجتماعي الذي يناط بالفلاسفة. ففي عالم ما فتئ يزداد التباسا وقلقا ورعبا لم يعد يُطلب من الفلاسفة أدوات مفاهيمية وتحاليل نقدية فحسب، وإنما صاروا مطالبين أيضا بتقديم نصائح للعيش السليم، وتعاليم لأجل وضع أسلم، يعامَلون كمعلمين روحانيين كما في البوذية وسواها، فإن رفضوا ظلوا فلاسفة، وإن قبلوا صاروا كما نرى اليوم.

وتبقى السعادة لغزا يحار البشر في تحديد مفهومه. يقول الفيلسوف نيكولا غريمالدي “ننتظر الموت كما ننتظر سرّا أن نكون سعداء دون أن ندري ما هي السّعادة”.

14