هل الفلسفة منفصلة عن اللغة

اللغة أداة الفكر الأساس، إذا اختلت اختل معها الفكر.
الخميس 2019/07/18
اللغة محورية في الفكر الفلسفي (لوحة للفنان نجا المهداوي)

لا وجود لفلسفة خارج اللغة، فلئن كانت الفلسفة منظومة رمزية، فإن جوهر تعبيرها لساني بالدرجة الأولى، أي أن عناصر الخطاب الفلسفي تُبنى حسب قواعد اللغة، ما يعني أن لها دلالات الاستعمال المعتاد، بقواعده وضوابطه.

من المسلمات التي لا يحتاج المرء إلى تكوين فلسفي للبت فيها أنه يفكر في ما يهمّ بكتابته، ولو كان مطلبا إداريا أو رسالة غرامية، وأنه يتوسل في إنجاز ما يكتب باللغة كأداة للتبليغ عما يجول في ذهنه. ولكن تلك المسلمة البدَهية تغدو لدى الفلاسفة قضية يتجادلون بشأنها، ويتساءلون أيهما أسبق، الفكر أم اللغة، وهل هما متصلان أم منفصلان، أم هما متلازمان في جسد واحد ذي وجهين مثل ورقة أو قطعة نقدية؟

فريق منهم يرى أن الفكرة منفصلة عن اللغة، متقدمة عليها في الزمن وفي الماهية، بحجة أن الفكر ذاتيّ يخصّ شخصا بعينه، فيما اللغة موضوعية اجتماعية، كما يقول برغسون، وأنهما لا يتناسبان بدعوى أن اللغة تعجز في الغالب عن صياغة الفكرة. وفريق ثان، منهم هيغل، ودوسوسير، وجوليا كريستيفا، يذهب إلى القول إن الفكر واللغة ليسا سوى مظهرين لعملية نفسية واحدة، وإن العلاقة بينهما هي علاقة تلازم، وما اللغة سوى علامات تعبر عما يعتمل في الذهن من أفكار. وذلك ما لخصه فريدريخ ماكس مولير في قوله “إن العلاقة بين اللغة والفكر كالقطعة النقدية الواحدة، وجهها الفكر وقفاها اللغة، فإذا فسد أي منهما فسدت القطعة”.

وأيا ما يكن الاختلاف، فالثابت ألا وجود لفلسفة دون تعبير لساني. صحيح أنها منظومة مفاهيم ذات طبيعة خاصة، ولكنها لا يمكن أن تعبر عن نفسها بغير اللغة، فهي ليست عَرْضا فُرجويّا، ولا ألبومَ صور، وإنما هي جملة أفكار نظرية تصاغ بواسطة اللغة. قد يحوي خطابها ألفاظا مولّدة néologismes، وقد يبيح لنفسه انتهاك البنية الصرفية لنحت مصطلح جديد لا علاقة له بالقاموس، وقد يمزج لفظين لصياغة لفظ مستحدث يعبر عن فكرة ما، ولكنه لا يتحول بحال إلى معادلات جبرية كما يفعل علماء الهندسة والرياضيات. قد تكون الفلسفة منظومة رمزية، أي أن المؤلفات التي تقدمها تتألف من مجموعة علامات، ولكن جوهر تعبيرها لساني بالدرجة الأولى، أي أن عناصر الخطاب الفلسفي تُبنى حسب قواعد اللغة، ما يعني أن لها دلالات الاستعمال المعتاد، بقواعده وضوابطه. ثم إن النص الفلسفي ليس مصطلحات كله، وخطابه يندرج ضمن الاستعمال اللغوي السائد، رغم ما يحتوي عليه أحيانا من غموض وتعقيد ولبس. ولكن مهما تعقدت العلامات الفلسفية، فإنها تظل رهينة للغة، لا تُفهم خارج سياقها.

إن الذين يريدون عزل الفلسفة عن اللغة يتناسون أننا لا نتفلسف إلا داخل اللغة

تلك مسلمات ما كنا لنعود إليها لولا حدّة الردود التي قابل بها أساتذة الفلسفة في تونس كلَّ من أشار إلى الهنات الكثيرة التي شابت مقالة تلميذة في امتحان البكالوريا (راجع مقالتنا “هل الكمال ممكن في امتحان الفلسفة” – العرب في 11. 07. 2019)، ومنهم أدباء وشعراء وأكاديميون عابوا على المصححين عدم اعتبار الجانب اللغوي في إسناد العدد الأقصى، فقد اتّهِموا حينا بأنهم لا يزالون يعيشون في عصر سيبويه، وحينا آخر بأنهم يجهلون أسس الإصلاح وقواعده المضبوطة سلفا، وفي كل الحالات بكونهم دخلاء على الفلسفة يجادلون في ما ليس لهم منه نصيب كمن يجادل في الله بغير علم، وأن أساتذة الفلسفة لا يحتاجون إلى إجازة في اللغة، بدعوى أنهم يدرّسون الفكر لا الآداب، وكأنهم في حِلّ من احترام لغة الخطاب التي يستعملونها في دروسهم ويستعملها التلاميذ في مقالاتهم.

والذنب لا يلقى على التلميذة لأنها في طور التعلّم، ولأنها، شأن معظم المتعلمين في بلداننا، رَدّت البضاعة إلى أهلها، وإن بشيء من الاجتهاد، وأهلُها لا يتقنون العربية في الغالب، ومعارفهم تلقّوها من مصادر باللغات الأجنبية، أو بترجمات رديئة في عمومها، فضلا عن انقطاعهم عن القراءة حال التخرج، إلا ما ندر، وهي حالة عامة يلتقي فيها السواد الأعظم من المدرسين في شتى المستويات. وحسبنا أن نعيد قراءة تدوينة الأستاذ المصحح، التي نشرناها كما هي في مقالتنا الآنفة الذكر، لندرك قلة إلمامه باللغة وقواعدها، فقد حوت اثني عشر خطأ من جملة ثلاث وثمانين كلمة، فضلا عن هلهلة الأسلوب وعدم احترام علامات الوقف التي قد يختل في غيابها المعنى أو يلتبس.

لا وجود لأعمال فلسفية منفصلة عن صياغتها في تعبير محدد، بل لا وجود لأفكار علمية سابقة لتجليها الفعلي عبر اللغة

إن الذين يريدون عزل الفلسفة عن اللغة يتناسون أننا لا نتفلسف إلا داخل اللغة، وأن القضايا الفلسفية لا تتبدى إلا من خلال التدوين اللساني لفكرة أو ظاهرة أو معيش ينظر إليه كدلالة لمدلول. قد يختلف الفلاسفة من جهة الأسلوب والمصطلحات والمفاهيم، مثلما يختلفون في النظر إلى هذه المسألة أو تلك، ولكنهم جميعا، دون استثناء، لا يستغنون بأي حال من الأحوال عن اللغة السائدة. قد يخالفون الأدباء والشعراء من حيث الصياغة فيتجنبون البلاغة والمحسنات اللفظية، ولكنهم يحترمون قواعد اللغة التي بها يكتبون. وعندما نقرأ نصوص المفكرين الأجانب، قدامى ومحدثين، لا نعثر على خطأ من تلك الأخطاء التي تطفح بها النصوص العربية، إلا ما ندر. بل إن من المفكرين في الغرب من جمع بين الفكر والأدب، كروسو، وغوته، وسارتر، وكامو، وألان باديو وغيرهم كثير، لأنهم يدركون أن اللغة أداة لكتابة الأفكار، مثلما هي أداة لوصف الحالات والتجارب النفسية والوجودية. فلا يمكن للفلسفة إذن أن تكون بمعزل عن اللغة، ولا أن تصاغ دون إلمام بقواعدها الأساسية التي لا يكون النص نصا إلا باحترام شروطها النحوية والصرفية والإملائية، وتبين فروقها اللغوية. يكفي أن يخطئ المرء مثلا في حرف جرّ حتى يتغير المعنى، فـ”يرغب في” هي عكس “يرغب عن”، و”دعا له” هي غير “دعا عليه”، و”طلب منه” لا تفيد معنى “طلب إليه”.

لا وجود إذن للغة فلسفية، وإنما هو استعمال فلسفي للغة قد نجده حتى في الأدب والروايات؛ ولا وجود لأعمال فلسفية منفصلة عن صياغتها في تعبير محدد، بل لا وجود لأفكار علمية سابقة لتجليها الفعلي عبر اللغة. فالفلسفة تستعمل اللغة لاستكشاف مختلف مستويات الترميز التي يبتكرها الفكر الإنساني وتنظيمها، ولكنها لا تدوّن خطابها في منظومة رمزية شكلية مخصوصة، كالمعادلات الرياضية والفيزيائية والكيميائية، لا يفك شيفرتها إلا العارفون.

والخلاصة أن اللغة أداة الفكر الأساس، إذا اختلت اختل معها الفكر وانعدم التواصل والفهم.

15