هل النشر مغامرة

الأربعاء 2016/05/18

هل تغامر دار ناشئة بإصدارها الأعمال الكاملة للشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين، إضافة إلى كم كبير من الدواوين الشعرية؟ سؤالان طرقا خاطري وأنا أتجول قبل أيام في معرض أبوظبي للكتاب. ليست المغامرة لأن الشاعر السوري الراحل لا يستحق، على العكس، فهو واحد من أهم أصوات القصيدة الحداثية في سوريا خلال عقد السبعينات، ولكن وجه المغامرة كما أظن، يطل عليك وأنت تطالع العناوين التي أصدرتها دار المتوسط في الآونة الأخيرة، حتى لتخالها صاحبة مشروع ثقافي أكثر من كونها مؤسسة لطباعة ونشر وبيع الكتب.

وحين تسأل مدير الدار الشاعر خالد الناصري عن حركة البيع يجيبك وابتسامة واثقة راضية تسبق كلامه: الوضع جيد، وأتمنى أن يبقى هكذا! هذا الجواب المتفائل من الصعب أن تحظى بمثله من أي ناشر آخر، فالأجوبة التقليدية للناشرين حين تسألهم عن حركة البيع في أي معرض للكتاب، تتراوح بين الشكوى من قلة القراء وجفاف قريحة الكتاب.

ولكن حين تسأل، وكيف أنتم صامدون ولم تغلقوا دور نشركم، يقولون إن العمل في النشر هو عمل فدائي لابد من الاستمرار فيه! لاشك في أن وضع النشر في العالم العربي سيء مقارنة بدول مجاورة أخرى، ولكنه لم يكن جيدا في أي يوم سابق.

هي المشاكل نفسها يكررها الجميع، على الأقل منذ معرض الكتاب الأول الذي حضرته في دمشق قبل ثلاثة عقود. كانت دور النشر في معظمها مدعومة من بعض الدول أو المؤسسات، وقلة قليلة كانت تعتمد قوانين السوق.

الدور التي تعمل وفق قوانين السوق، أصبحت لها تقاليدها وكتابها ومؤلفوها وجمهورها الخاص، أما تلك الدور التي كانت تعتمد على الدعم، فإن أزمتها الحقيقية ظهرت مع فقدانها لأولئك الرعاة، وليس بسبب تراجع إقبال القراء أو تناقصهم، أو بسبب قلة العناوين التي يقدمها الكتاب.

هناك كتب لمؤلفين عرب باعت عشرات الآلاف من النسخ وربما بعضها مئات الآلاف، وهناك كتَّاب عرب يعيشون من رواياتهم ومؤلفاتهم، رغم قلتهم، وفي كل عام تصدر المئات من العناوين الجديدة في مختلف صنوف الكتابة، رغم الأزمة الوجودية التي يعانيها عالمنا العربي هذه السنوات! وأيضا بالمقابل، ثمة تراجع من الدول والمؤسسات الثقافية العربية، عن دعم الكتاب، سواء في المعارض أو المنح.

لا شك في أن الكثير من الكتب والمنشورات لا يمكن أن تكون غاياتها تجارية، ولذلك فهي بحاجة إلى دعم ما، ولكن مع توقف الدول العربية التي كانت توصف بأنها داعمة للكتاب عن دعمها، بتنا نقرأ الكثير من الكتب المترجمة على حساب الكتب المؤلّفَة، بسبب دعم السفارات ووزارات خارجية الدول الأجنبية المهتمة بنشر ثقافتها.

إذن، المسألة أعقد من هذا التبسيط، الذي يحيل الأزمة إلى انحسار القراء وجفاف القرائح، ولها أوجه مختلفة لابد من النظر إليها جميعا إن كنا حقا نريد أن نعرف إشكاليات القراءة والنشر باللغة العربية.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14