هل النقد قراءة

النص الذي لا يتوفر على مقومات إبداعية، فكرية وجمالية، لن يغير النقد من مقوماته وما هو جوهري من صفاته ولا يحيي فيها ما هو ميت.
السبت 2018/12/15
القراءة النقدية قد تنفتح على قراءة التلقي، وتتفاعل معها أحيانا (لوحة: شادي أبوسعدة)

قبل أيام سألني الكاتب المعروف سليم النجار، وهو منذ أن التقينا بعد إقامتي في عمان لا يتوقف عن الأسئلة ولا يمل من الحوار، وقال لي: لم أرك تقول، القراءة النقدية، أو القراءات النقدية، كلما تحدثت عن النقد، قديمه وجديده ومدارسه واجتهاداته؟

فأجبته: لقد سبق لي أن كتبت عن هذا الموضوع، وقد كان ضمن إجاباتي عن أسئلة تلقيتها من قبل أحد الأكاديميين العرب، وقلت يومها ما يمكن إيجازه بالقول: نعم، النقد قراءة، غير أنها قراءة تصدر عن إدراك وخبرة ووعي، وقد يرى الناقد في قراءته ما لا يرى القارئ العادي، لذا نجد أن ليس جميع النصوص تستهوي الناقد، بل طالما تخيَّر منها ما يسعفه على إعمال أدواته النقدية والإفادة منها في قراءة النص الذي اختاره، كما يفعل القارئ العادي في اختيار ما يقرأ وتجاوز ما لا يجد فيه ما يدفع به إلى القراءة.

إن القراءة النقدية ليست نشاطا خدميا من قبيل الإعلان أو سواه من نشاطات الدعاية، كما أنها ليست نشاطا أحاديا، يعمل بمعزل عن طبيعة النص وخصائصه، لذا فإن النص الذي لا يتوفر على مقومات إبداعية، فكرية وجمالية، لن يغير النقد من مقوماته وما هو جوهري من صفاته ولا يحيي فيها ما هو ميت.

إن القراءة النقدية قد تنفتح على قراءة التلقي، وتتفاعل معها أحيانا، لأنها تخرج النص الإبداعي من منطقة الثبات والاطمئنان، وتدفع به إلى منطقة الحركة وحيوية الأسئلة، لأن النص الإبداعي منتج أسئلة لا مصدر إجابات، وبهذه الحركة الانتقالية قد يتحقق تكريس النتاج الإبداعي، ليس كهدف للقراءة النقدية وإنما كناتج من نواتجها

 لكن في الوقت ذاته، يتوفر لهذه القراءة النقدية أو تلك، لأن تتكرس هي الأخرى أيضا، لأنها تأخذ أهميتها من أهمية النص الذي تقرأ، وبالتالي من عمق ما تتوصل إليه، وهنا نستطيع القول، إن نصا ساذجا وضعيفا لا يمنح الناقد قدرة على كشف ما يريد التوصل إليه من خلال توظيف أدواته النقدية، معرفية وجمالية، وقد يحصل هذا، لكن من منطلقات غير موضوعية، وحين يحصل مثل هذا، فهو ليس سوى مأزق للقراءة النقدية وللناقد كقارئ، كما أنه ليس سوى وهم للإبداع وللمبدع.

لكن ينبغي أن نفرِّق هنا تحديدا، بين النقد النظري والنقد التطبيقي، لأن النقد التطبيقي هو الذي يعني القراءة النقدية، التي تكتشف وترى وتقوِّم وتسأل، أما سوى ذلك، أي الدراسات التي تعتكف في النظرية، فيمكن أن نعدّ أصحابها منظرين أو أكاديميين لأن الفكر النقدي النظري، إنْ لم يتحول إلى مفاتيح في القراءات النقدية، يظل مجرد أفكار، قد تكون في منتهى العمق والأهمية، ولكنها من دون فاعلية نقدية.

إن جميع النظريات، ليس في نقد الإبداع فحسب، بل في الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد وغيرها، تبدو أهميتها وتمتحن جدارتها في التطبيق، ومن دونه لا تتجاوز أن تكون مجرد أفكار ومقولات قد تحظى بمكانة في معاهد التعليم وقاعات المحاضرات وصفحات الموسوعات، ولكنها لا تقترب من الواقع ولا تؤثر فيه التأثير الذي يؤدي إلى التغيير والتحولات.

وإذا كان الإبداع الحقيقي قد اتسم باستمرار في البحث عن جديد، والجديد هنا، ليس الموضوع بل هو جديد مكونات النص ومقوماته، لغة ورمزا وموضوعا وغيرها، فهذا الجديد بكل متغيراته، لا تستوعبه النظرية، بل العكس تماما، إذ ينبغي تطوير النظرية وتجديدها لتستوعب جديد النص ومتغيراته.

وفي هذا الصدد، أستذكر ما قاله جورج بوليه “بعض الشعراء يكتبون أشعارا باشلارية إرضاء لباشلار” ومثل هذا الشعر سيكون باشلار أول من يعترض عليه، وهذا القول يضع حدا واضحا بين إيجابية القراءات النقدية وبين أن يكون الإبداع تابعا سلبيا للتنظير.

14