هل انتبه البريطانيون أخيرا

الأربعاء 2017/06/07

هل يكفي إشعال شمعة وترديد بعض الصلوات على أرواح الضحايا بعد كل عملية إرهابية يرتكبها جنود الإسلام السياسي في الغرب؟ وهل هو جاد ذلك القول الانهزامي الذي يردد في كل مرة بأنه ينبغي أن تتعلم المجتمعات كيف تتكيف مع الإرهاب الإسلامي؟

على البريطانيين أن يتخلصوا من موقفهم المهادن الذي قايضوا به طويلا أمن بلادهم على حساب قيمهم وأمن البلدان الأخرى، وأن يكونوا من الآن فصاعدا قادرين على الوقوف وجها لوجه أمام الذين يهاجمونهم في عقر ديارهم، وأن يفهموا أن منطق الإسلام الراديكالي هو السيطرة وفرض الشريعة. ولا هدف لجنوده في بريطانيا والغرب كله سوى تدمير ما بناه البريطانيون والغربيون من حضارة قلبها التسامح والتعدد والاختلاف.

حاول كثيرون ومنهم بريطانيون إيجاد أسباب لاعتداءي باريس ونيس وغيرهما من الاعتداءات الإرهابية في فرنسا، مركزين على لائكية فرنسا وتضييقها على المسلمين كمنع الحجاب في المدارس والبرقع في الفضاء العام، وها هي الاعتداءات في لندن ومانشستر تؤكد العكس إذ لا لائكية على الطريقة الفرنسية في بريطانيا، ولا منع لحجاب أو برقع، فالمسلمون يعيشون في ما بينهم ويطبقون شريعتهم في بعض المناطق الخاصة بهم ويتمتعون بحرية دينية كغيرهم من البريطانيين وكل هذا لم يشفع للديمقراطية البريطانية ورحابة صدر الإنكليز.

ولا يخفي الأصوليون أهدافهم، يكفي فقط الاطلاع على خطاباتهم المؤسسة لدى جماعة الإخوان المسلمين وفتاوى ما يسمى بالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث المرابط في عاصمة أيرلندا دبلن، وما ينشره اليوم الجنود الإسلاميون على الشبكة العنكبوتية لنعرف مدى الخطر الذي يحوم على الشعب البريطاني وثقافته.

لقد نتج عن التسامح البريطاني المبالغ فيه، كي لا نقول التسامح غير المسؤول، مزيد من التعصب الإسلامي وأدى إلى تشجيع من كانوا يضمرون تطرفهم وحقدهم إلى الخروج إلى العلن، حيث تقول التقارير الأمنية إنه تم تحديد قائمة تتكون من 23000 من المنتسبين إلى الفكر الإسلامي في المملكة المتحدة يمكن أن يقوموا بأعمال عنف أو يساندونها في أي لحظة، من بينهم 3000 مصنفون ككائنات عنيفة جدا. وكل هؤلاء يستغلون مبدأ الحرية في الديمقراطيات الغربية وقوانينها الوضعية التي يكرهونها، والتي تمنع اعتقال الأشخاص ما داموا لم يقوموا بالجرم، ومن هنا يصعب تجنب الاعتداءات ويبقى مجال التحرك واسعا للإرهابيين وسيرتكبون جرائم بلا حدود إذا لم تتدارك بريطانيا الأمر، وتعيد النظر في ترسانتها القانونية لتتلاءم مع أوضاعها الأمنية الجديدة التي خلقها الإرهاب الإسلامي. ينبغي البدء بمحاربة الذين يروجون للأيديولوجيا الإسلامية سواء على الإنترنت، أو في المساجد أو الحسينيات والذين يحرضون على العنف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

ومن البديهي أن يكون الرد على الإرهاب الإسلامي أمنيا واستخباراتيا وعسكريا، ويجب فعل كل شيء من أجل إحباط العمليات الإرهابية الهمجية التي ينوي القيام بها الجهاديون الدواعش، ولكن كل ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى إهمال الكفاح السياسي والفكري الصارم ضد الإسلام الراديكالي والجهر بأن السلفية هي قاعة انتظار الإرهاب الإسلامي الفعلي والتعامل معها على أنها إرهاب قادم.

يبدو أن شيئا ما قد تغير بعد الاعتداءات الأخيرة في البلد وبدأت السلطات البريطانية تنظر إلى الواقع كما هو ولو بعين واحدة، وأصبحت تربط بين الإرهاب والسلفية، حيث اعتبرت رئيسة الوزراء تيريزا ماي أن السيل قد بلغ الزبى، في إشارة إلى استفحال ظاهرة التطرف الاسلامي في بريطانيا، معترفة بأن السلطات البريطانية قد تساهلت مع صعود الحركات الإسلامية ولكن من دون أن تضيف بأن تلك السلطات تركت السلفية تسيطر على أحياء بكاملها وتخضعها أحيانا لأحكام ما يسمى شريعة إسلامية عن طريق محاكم إسلامية موازية للمحاكم البريطانية العريقة.

الوزيرة الأولى أعادت النظر في الفصل الإثني الذي يميز المجتمع البريطاني، حيث تعيش كل إثنية مستقلة عن الاثنيات الأخرى، تتجاور ولا تختلط. فهل هي يقظة حقيقية أم مجرد تصريحات ضمن الحملة الانتخابية؟ وهل بدأ البريطانيون يشددون على ضرورة احترام القوانين الوضعية لأنهم أدركوا الخطر الإسلامي الذي يهدد المملكة المتحدة، وتوصلوا عن طريق التجربة العنيفة التي يكابدون بأنه من غير الممكن أن تكون الجماعاتية أو الطائفية الاجتماعية مشروع مجتمع سلمي، بل هي مصدر هام من مصادر الحرب الأهلية؟

كاتب جزائري

9