هل انتهى الرهان على التعليم العمومي

الثلاثاء 2017/02/21
التعليم الخاص يرسم أفقا يتجاوز قدرات التعليم العمومي

للتعليم مكانة مركزية في مسيرة بناء كل الدول، إذ يمثل منطلقا وقاطرة لكل المشاريع والبرامج التنموية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، لكن النظرة إليه تغيرت في العقود الأخيرة، إذ لم يعد المصعدَ الاجتماعي الذي يتيح لأبناء الطبقات الفقيرة إمكانيات الحصول على العمل ثابت، ومن ثمة تحسين المستوى المادي والاجتماعي.

كان التعليم وفق هذه المقاربة؛ رهان الدولة وأمل الشعوب، عموما تؤمنه الدولة وتتولى الإشراف عليه وتوفير مقتضياته التشريعية والمادية واللوجستية والبشرية، لكن تحولات عارمة أودت به مؤخرا في منحدر سحيق من انحدار الخدمات وعتاقة المناهج وشحّ الموارد كما نقص التكوين لدى الموارد البشرية أيضا، وبذلك انحدر التعليم العمومي من رهان للدولة إلى “واجب” ثقيل أو التزام تقليدي، ليظهر بالتوازي مع هذا الانحدار ضربٌ جديد من التعليم، مستقل عن الدولة ومتصل بها فقط في القوانين أو في الإشراف، لكنه خاص في المناهج ورأسمالي في الأهداف والغايات. إن ثنائية العمومي والخاص لا تشمل فقط التعليم، بل تمتد أيضا إلى قطاعي الصحة والنقل وغيرهما من الميادين التي لطالما ارتبطت في المخيال الجماعي بدور الدولة.

الدولة التي تراخت وتكاسلت أو عانت من السكونية في أجهزتها وهياكلها، أو تصدعت صورتها بفعل المتغيرات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، أضحت ساعية إلى التخلص أو التلمص من واجباتها أو من بعضها، استجابة للمتغيرات الخارجية وانضباطا لتعاليم الهياكل المالية العالمية المانحة، أو حتى سعيا إلى توفير رشاقة سياسية يقال إنها لا تتحقق إلا بإيكال أقصى ما يمكن من مهام وأدوار على القطاع الخاص.

في الأمر “ليبرالية” زاحفة حسبما تروجه القراءات اليسارية الكسولة، وفي الأمر أيضا حيوية تفرضها المدارس الجديدة في الاقتصاد السياسي حسب التبريرات اليمينية الحالمة، لكن تنسيب التصوّرين يقتضي القول إن دور الدولة لا يتناقض مع إتاحة الفرصة للقطاع الخاص (في التعليم أو في غيره) والإقرار أيضا بأن التعليم الخاص بإمكانه التوسع دون أن يسحب من الدولة حقها الشرعي في الإشراف والتطوير والإصلاح والمتابعة.

التعليم العمومي أو التعليم الخاص، تنافس مضلل وزائف في جوهره، أو هو الشجرة التي تخفي غابة المشاكل الحقيقية للتعليم، كما غيره من القطاعات

يروى أن الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة ألقى كلمة أمام الكونغرس الأميركي في فجر دولة الاستقلال أكد خلالها أنه لم يأت إلى الولايات المتحدة ليطلب معونات عسكرية أو مساعدات مالية، بل يريد فقط مساعدة بلاده في بناء مدارس جديدة ودعمه في سعيه لتعميم التعليم في كامل أرجاء البلاد، ولقي طلبه ترحيبا سريعا من المؤسسات الأميركية التي لم تعتد على هذه المطالب من قادة دول العالم الثالث.

توصل بورقيبة إلى بناء مدارس عمومية منتشرة في كل قرى تونس وأريافها، اعتمادا على قوانين تفرض إجبارية التعليم ومجانيته. مدارس عمومية نجحت في تزويد البلاد بكل الموارد البشرية والعلمية والسياسية التي تحتاج إليها. لكن مياها كثيرة جرت تحت العملية التربوية في تونس، وصولا إلى مرحلة أصبح فيها التعليم الخاص ينافس التعليم العمومي، بل ويتقدم عليه بأشواط من ناحية الجودة ومن ناحية النزوع الجماعي العارم نحو الاستفادة مما توفره المدارس الخاصة (بمختلف المستويات) من خدمات وبرامج وأطر تربوية.

القضية أعمق من أن يتم اختصارها في صراع تقليدي بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي، بل هي -في قطاع التعليم أساسا- متصلة بفلسفة الرهان على الأجيال القادمة. فالتصورات القائلة إن من حق الأولياء التضحية بتدريس أبنائهم في مدارس خاصة عصرية من شتى النواحي، هي تصورات مشروعة. والرأي القائل إن للمدرسة العمومية مآثرها ومناقبها وسطوتها التاريخية، باعتبار أنها مدرسة تستوي فيها كل الطبقات الاجتماعية دون حيف أو تميز، هو أيضا رأي لا يفتقد الوجاهة.

وبين هذا التصور الأول والرأي الثاني نتبين ضرورات التنسيب بالإشارة إلى المسألة يمكن تأصيلها أولا بأنه لا تناقض بين التصورين؛ المدرسة العمومية مدعوة إلى تحسين برامجها ومواردها وخدماتها، للعودة إلى المنافسة، والمدرسة الخاصة حق “لمن استطاع إليه سبيلا”، لأن الأمر في نهاية المطاف يتطلب، أولا وأخيرا، ضرورة خوض الإصلاح التعليمي وفق استراتيجية طويلة المدى، تأخذ في الاعتبار مواكبة التغيرات الحاصلة في العالم، وتبيّن أن التعليم عماد كل بناء تنموي واقتصادي واجتماعي.

التعليم العمومي أو التعليم الخاص، تنافس مضلل وزائف في جوهره، أو هو الشجرة التي تخفي غابة المشاكل الحقيقية للتعليم، كما غيره من القطاعات، وفي هذا الصدد لا يقتصر التنافس على قطاع التعليم فحسب، بل هو (كما أشرنا) محتدم وضار في قطاعات الصحة والنقل وغيرها.

اقرأ أيضا:

المدرسة العمومية.. ضحية الإصلاحات المرتجلة

التعليم الخاص.. جودة المنتج في مواجهة قسوة الربح

12