هل انتهى زمن الأيقونات النضالية أم تغيرت أشكال ومضامين الكفاح

الفلسطينية عهد التميمي لفتت أنظار العالم إلى نوع كان ينبغي له أن يسود بدل التفكير الغيبي والمتطرف، هذا النوع هو مثل هؤلاء الشباب المندفعين والحريصين على التقدم دون تفريط في الحقوق الوطنية والكرامات الفردية.
الثلاثاء 2018/07/31
الفتاة ذات الشعر الأشقر المنكوش لا تشبه مناضلات أخريات سبقنها

أفرجت السلطات الإسرائيلية، صباح الأحد الماضي، عن الفتاة عهد التميمي، البالغة من العُمر 17 عامًا، ووالدتها ناريمان، بعد أن قبعتا 8 أشهر في السجن بتهمة إعاقة عمل جنود إسرائيليين.

ورغم أن عهد ليست الحالة الأولى من نوعها في فلسطين، إلا أن قضيتها حظيت بتغطية إعلامية واسعة على المستوى المحلي الفلسطيني وفي الصحافة العربية والعبرية وحتى العالمية، كما لفتت القضية الانتباه إلى نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلي، الذي يستخدم لمحاكمة المدنيين في الضفة الغربية.

وأكدت عهد التميمي في أول تصريح لها عقب الإفراج عنها أن المقاومة مستمرة حتى زوال الاحتلال، كما شددت على صمود الأسيرات في سجون المحتل.

وتحدثت التميمي في مؤتمر صحافي في قريتها عن أوضاع 29 أسيرة فلسطينية كن معها بسجن دامون، وأوضحت أن السجينات حمّلنها ثلاث رسائل، هي المطالبة بالوحدة الوطنية، ودعم وتعزيز الصمود الشعبي، ودعم الأسيرات في نضالهن من أجل الحرية.

وأصبحت عهد بطلة ورمزا في أعين الفلسطينيين بعد أن ركلت جنديا إسرائيليا وصفعته في 15 ديسمبر 2017 خارج منزلها في قرية النبي صالح التي تشهد حملة منذ سنوات ضد استيلاء إسرائيل على الأراضي، مما يؤدي إلى مواجهات مع جنود الاحتلال ومستوطنين.

حكاية هذه الفتاة الفلسطينية التي تبدو في عفويتها وسلوكها ومظهرها منسجمة مع جيل عصرها المنفتح على وسائل الاتصال الاجتماعي، تطرح علينا من جديد مفهوم النضال الحقوقي اليوم، وهل ما زال يتماشى مع التعريفات السابقة؟

رجل القرن العشرين بلا منازع
رجل القرن العشرين بلا منازع

سؤال آخر يطرح في خضم هذه الأحداث التي يشهدها العالم وتتداخل فيها المفاهيم وتتنازع خلفها القوانين وهو هل أن للقضايا البشرية نوعا من الديمومة والخلود بحيث أنها لا تتغير ولا تتزحزح وتظل واحدة ثابتة دون أن تنقص أو تزيد؟ أم أن التطورات والمشاكل البيئية التي يشهدها العالم اليوم تقتضي وجود مناضلين من نوع جديد وقضاء من نوع ينسجم مع مشاكل البشرية الآن؟

هل نقول وداعا لتلك الأيقونات النضالية التقليدية مع تطور مشاكل الإنسان المعاصر؟ وهل ثمة حقا أولويات ومفاضلات في سلم النضال الإنساني أم أن المشعل واحد والأذرع التي تتعاقب عليه كثيرة ومتنوعة؟

الفلسطينية عهد التميمي لفتت أنظار العالم إلى نوع كان ينبغي له أن يسود بدل التفكير الغيبي والمتطرف، هذا النوع هو مثل هؤلاء الشباب المندفعين والحريصين على التقدم دون تفريط في الحقوق الوطنية والكرامات الفردية بدليل أن عهد التميمي قالت في مؤتمر صحافي إن الشيء الوحيد الذي كان يسبب لها ضغطا وهي في السجن هو تخوفها من فقدان دراستها، ولكن وقع العكس؛ إذ أتمت هي والأسيرات مستوى “التوجيهي”، وقررن تسمية أنفسهن “فوج التحدي” رغم محاولات إدارة السجن منعهن من التعليم. وأشارت الفتاة الفلسطينية إلى أنها وزميلاتها السجينات تحدين سلطات السجن، وحولن السجن إلى مدرسة واجتزن دورة تدريبية في القانون الدولي، وأخرى في القانون الإنساني.

وحيت عهد التميمي في مؤتمر صحافي بقريتها سكان قطاع غزة المحاصر ومسيرات العودة التي ينظمونها منذ أشهر، وقالت إن مدينة القدس كانت ولا تزال عاصمة لدولة فلسطين.

هل تمثل عهد منعرجا حاسما في نوعية وطبيعة النضال؟ هذا السؤال يطرح اليوم وبعد أيام قليلة على احتفالية العالم بالمئوية الأولى لميلاد الزعيم الجنوب أفريقي الأسطوري نيلسون مانديلا، الذي رحل عن عالمنا عام 2013، بعد أن قاد نضال شعبه للقضاء على نظام الفصل العنصري الذي ساد بلاده عقودا طويلة ولإحلال نظام يحترم تعدد الثقافات والأعراق بدلاً عنه. كما أنه هو نفسه الزعيم التاريخي لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي قاد النضال منذ تأسيسه عام 1912 ضد نظام حكم الأقلية البيضاء، والذي تم انتخابه بأغلبية كبيرة كأول رئيس للجمهورية في دولة جنوب أفريقيا الجديدة، ورفض الاستمرار في منصبه الرئاسي لأكثر من ولاية واحدة، رغم المناشدات
الشعبية الواسعة داخل بلاده، وكذلك من خارج الحدود أفريقياً وعالمياً، باعتباره الرمز الموحد لشعبه والضمانة الأساسية للتحولات السلمية والجذرية في آن واحد.

الشعلة واحدة والقبضات متعاقبة

على إثر الأصداء الإعلامية التي أحدثها الإفراج عن الشابة الفلسطينية عهد التميمي،  وما رافقها من تضخيم، حذر مراقبون من أن  تصبح عهد هي القضية على حساب قضية بلدها مع الاحتلال.

ونبهوا إلى أنه يجب ألا تنزلق في النهاية طفلة في مزايدات سياسية لان موقفها كان لحظيا لكنها تحولت الى إيقونة فلسطينية.

وعبر مراقب سياسي فلسطيني عن أمله بان لا يتم استغلال طفولة التميمي بحيث تصبح هي القضية وليس قضية بلدها مع الاحتلال الإسرائيلي.

وطالب المراقب بعودة عهد إلى دراستها وأسرتها بدلا أن تصبح رمزا مكررا لهدف الاستهلاك الإعلامي.

الفتاة الفلسطينية عهد التميمي ليست أكثر جرأة وشجاعة من فتيات كثيرات سبقنها إلى سجون الاحتلال، ولا هي تعرضت لمثل ما تعرضت له ناشطات أخريات، سواء كان ذلك في السجون الإسرائيلية أو حتى في سجون حماس وغيرها ضمن حالة التصدع داخل الصف الفلسطيني، لكن الذي جعل من هذه الفتاة ذات الـ17عاما أيقونة في الإعلام العربي والدولي هو انتماؤها إلى العصر بكل تفاصيله ومفرداته، وكسرها لتلك الصورة النمطية للفتاة العربية المسلمة التي يحاول الإعلام الغربي تسويقها ويتمنى الجانب الإسرائيلي رؤيتها لكي تعطيه نوعا من المشروعية والتبرير حين يركن إلى آلة القمع والقتل.

عهد ليست فتاة محجبة ولا منقبة، ولا تتحدث بلغة الجهاديين والتكفيريين؛ عهد فتاة عادية، منطلقة وتشبه تلك اللواتي نشاهدهن في شوارع تونس وبيروت على وجه الخصوص، فالفتاة من ذلك النوع الذي يطلق عليه بالعامية المشرقية اسم “كدعة” إذ تصدت للجندي الإسرائيلي وصفعته غير آبهة بالسلاح، لكنها -وعلى ما يبدو- متفطنة إلى سلاح آخر يقف إلى جانبها ويدافع عنها على نطاق أوسع.. ألا وهو كاميرا التصوير.

لا يمكن السقوط هنا في تبرير أو قراءة من شأنها أن تسيء للروح النضالية المتوثبة حين نزعم بأن البطولة في “مشهد عهد الفلسطينية والجندي الإسرائيلي” كانت للصورة التي لولاها لما تبوأت الفتاة هذا المقام الأيقوني، وهو ما يذكرنا بصورة الطفل محمد الدرة وأبيه في الانتفاضة الفلسطينية منذ ما يقارب العقدين، والتي التقطتها كاميرا قناة تلفزيونية فرنسية، لكن الإعلام وقف إلى جانب الحق الفلسطيني سواء تقصّد ذلك أو لم يتقصد.

عهد التميمي “أتقنت” الانتماء إلى العصر بكل ما تمتلكه من عفوية وتلقائية فكافأها العصر بأن جعلها واحدة من أنجح النماذج التي يحق للعربي أن يفتخر بها بعد الصورة القبيحة والمنحطة التي روج لها داعش وأمثاله من التنظيمات الإرهابية.

بعد نجاح الجماعات الإسلامية في تسويق النموذج الأكثر تخلفا عن المرأة في المجتمعات الإسلامية، تأتي عهد لتصفع -إلى جانب الجندي الإسرائيلي- الإسلاميين ومن صدّقهم وروج لهم.

ولأن الإسلام السياسي يدرك قوة الصفعة التي وجهتها الفتاة عهد إليه من خلال النموذج “السافر” والواضح للفتاة المسلمة فقد سارع لاحتوائها كعادته وشهدنا أكثر من جهة تحاول توظيف هذا النجاح الإعلامي والحقوقي لصالحها. وفي هذا الإطار، هاتف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الفتاة الفلسطينية عهد التميمي و”هنأها على شجاعتها وصمودها في سجون الاحتلال”.

قضايا اليوم لبست قضايا الأمس

عهد التميمي التي أفرجت عنها السلطات الإسرائيلية فجر يوم الأحد الماضي، بعد ثمانية أشهر من الاعتقال، لا تشبه إلا نفسها وباقي بنات جيلها المنتميات إلى هذا العصر والحاملات لكل مفرداته على الرغم من طغيان الخصوصية الفلسطينية التي ما انفكت بدورها تعيد تشكلها والتعريف بنفسها وفق المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

آن لعهد أن تعود إلى بيتها ودراستها دون ضجة
آن لعهد أن تعود إلى بيتها ودراستها دون ضجة

الفتاة ذات الشعر الأشقر المنكوش والمظهر الشبابي الغاضب، لا تشبه مناضلات أخريات سبقنها ويشتركن معها في الوقوف تحت راية الدفاع عن عدالة القضية الفلسطينية، لا في زاوية النظرة والتقييم ولا في طريقة الاحتجاج والتصعيد، ولا حتى في درجات تفاعل الرأي العام المحلي والدولي.

عهد التميمي ليست شادية عبدالسلام التي تعتبر أول شهيدة عسكرية بعد نكسة 1967 ولا دلال مغربي التي تمكنت عام 1978 من الاستيلاء على حافلة تقل جنودا إسرائيليين في تل أبيب، ولا ليلى خالد التي تمكنت من خطف طائرة إسرائيلية عام 1969.

كل واحدة من هؤلاء الفتيات الفلسطينيات تنتمي إلى مرحلة تتميز عما يسبقها أو يأتي بعدها بأفكار وشعارات لا يمكن لها أن تعمّر بالضرورة وتبقى عابرة للزمان والمكان. وما تصنيف عهد التميمي ضمن قائمة النضال النسوي الفلسطيني إلا نوع من التوثيق أو الأرشفة التي قد تنفع وتفيد الذاكرة الوطنية الفلسطينية، لكنها تبقى خارج القراءة التي تأخذ التجربة الفردية والنفسية بعين الاعتبار.

مغالطة كبرى للتاريخ والجغرافيا، وظلم لبعض الرموز النضالية ومن الجهتين، أن نجعل من بعض الأسماء -ومهما علا شأنها- مقاييس وتوصيفات نطلقها على تجارب تماثلها أو تقاربها في بقع أخرى من الأرض وأثناء فترات لاحقة من العصر، فنيلسون مانديلا الذي احتفل العالم منذ أيام قليلة بالمئوية الأولى لميلاده، لا يشبه، مثلا، آدم ديماتشي، الملقب بـ”مانديلا كوسوفو” الذي ظل سجينا سياسيا لفترة طويلة في بلاده لنضاله ضد الحكم الصربي، ورحل منذ أيام عن عمر يناهز 82 عاما.

ليس هذا الأمر حطا من قيمة أحد المشبهين أو المشبهين بهم، لكنه نوع من الإنصاف والتقدير لخصوصيتي المرحلة والتجربة، كما أن القضايا النضالية ليست قيما ثابتة بالضرورة، فالكثير منها يتغير بتغير الظروف والمعطيات والمستجدات، علاوة على وجوب الأخذ في الاعتبار وجود سياسات ومؤامرات وتشويهات تلعب بسلم المفاضلات فتعلي من شأن قضية لتحط في المقابل من شأن قضية أخرى.

ما تقدم من نقاش لا يعني أن نجعل من كل القضايا الإنسانية “سلعة” توضع في خانة النسبية وميزان الأسواق السياسية والمصالح الاقتصادية لكن ينبغي لفت الانتباه إلى وجود مناضلين كثيرين لقضية واحدة وإمكانية وجود مناضل واحد في قضايا إنسانية كثيرة دون الوقوع في شيء من التناقض أو الانفصام.

هموم الإنسان كثرت وتشعبت، ولم تعد مختصرة في مفاهيم عامة وبدائية مثل العبودية وغيرها، فهذه القضايا أصبحت، مع تقدم التشريعات الحقوقية، مسائل بديهية لا جدال فيها، وصار من الأجدر أن تلتفت البشرية إلى ما يهدد مستقبلها مثل الاحتباس الحراري وتلوث الكوكب، والمناضلون الحقوقيون لم يعودوا فقط أولئك المدافعين عن المسجونين.

12