هل انتهى زمن الشعر العربي

ليست هناك شجاعة أكبر من شجاعة الشاعر الذي يدخل إلى العواصف والأعماق السحيقة وإلى المجاهل فقط لاقتناص صورة يقول بها العالم، وكلنا نعلم أهمية ومكانة الشعر في المدونة الأدبية العربية لكن في ظل هيمنة السرد اليوم على هذه المدونة، وزحفه على كل الأجناس الأدبية الأخرى تقريبا، هل ينتهي الشعر؟ ثم لنا أن نتساءل إن كان الشاعر العربي قديما لسان قبيلته، فأي وظيفة له اليوم في غياب هذا التقسيم الاجتماعي؟ العرب التقت الشاعر الأردني من أصول فلسطينية يوسف الديك، وكان لنا معه هذا الحوار حول الشعر ومستقبله.
الثلاثاء 2015/07/07
لا خيار أمام الفن والإبداع إلا مواجهة هذا العصر لنضمن عدم الاستسلام للموت

في لقائنا الأوّل منذ عدة أعوام سألت الشاعر يوسف الديك عن سبب استمرار الشعر العربي بذلك الزخم الذي يقع في القلوب رغم مرور ما يقارب 2000 عام على وجوده، فقال لي لأنّه ديوان العرب ومنبرهم منذ فجر التاريخ، فالشّعر عنده متنفَّس العرب لأنّه الوجه الآخر للحياة، فالشاعر اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى باستيعاب الأحداث التي لا يمكن أن يستوعبها سرد وفنّ، لما تختزن من صخب وجنون وخروج عن مقتضيات الفكر والعقل البشري، هذه الأحداث لا يمكن التعبير عنها بغير الشعر كأداة رمز خارج المألوف بما يتواءم مع جنون هذا الزمن ومغالاته في القهر وخروجه عن صيرورة الإنسانية منذ بدء الخلق نحو الوحشية التي لا يمكن فهمها إلاّ عبر قصيدة لشاعر ما.

أوطان متعددة

الشاعر الأردني من أصول فلسطينية يوسف الديك ولد في باقة الغربية بفلسطين عام 1959، وأنهى دراسة الحقوق في جامعة بيروت العربية لينتقل للإقامة في الإمارات العربية المتحدة، حيث بدأ الكتابة في وقت مبكّر، فأصدر العديد من الدواوين الشعرية والأعمال السردية والدراسات الأدبية، منها “طقوس النار”، “شعراء من بلاد الشام”، “تفاصيل صغيرة على نحاس القلب”، رواية “تنهيدة الأسى تلويحة الجنون”، “مزلاج الأنوثة”.

تعددت الأوطان عنده، حيث ولد في بلد ويقيم في بلد ويحمل جنسيّة بلد ثالث، يقول إن أول زيارة له للغربية كانت عام 1972، حيث بقيت المدينة الخصبة من المثلث الفلسطيني الزاخر بالزيتون والرمّان والصبّار، إنّها أقرب ما تكون إلى حالة حلم لا يريده العاشق أن ينتهي.

الراوية حسب يوسف الديك تذهب إلى العمق من دروب لم يطأها الشعر يوما

ضيفنا بدأ مسيرته الأدبية مع الشعر لكنّه ما لبث أن أصدر رواية، ولهذا عنده أكثر من معنى واحد، أحدها أن الشعر لديه لم يقل كل شيء، فالراوية تذهب إلى العمق من دروب لم يطأها الشعر يوما، ذلك أنّها تجيب عن أسئلة متراكمة من حول الشاعر، أما المعنى الآخر لكتابة راوية بقلم شاعر فيتمثّل بضرورة إخراج المخزون المعرفي من خلال صنف مختلف عن الشعر الذي يشي ولا يصرّح، فالقصيدة تمشي بحذر على حبل دقيق فوق البحر، بينما الرواية تأخذ القارئ بين الأمواج المتلاطمة وقد تغوص به إلى قاع الماء ليلامس الصدف وأعشاب البحر والمرجان وكلّ الدرر في مكنوناته.

يتابع ضيفنا رؤيته في المنطقة الثالثة السحر والغموض بحيث تتلاقى كل صنوف الإبداع والفن تحت سقف واحد في غرفة فسيحة تشكّل هذا التمايز بينها والتقاء لذة الإبداع والتلقّي والهدف والمصير.

البنيان الشعري

الإنسان هو مشروع ضيفنا الشعري وقوام بنيانه فيه يتمحور حول البعد الإنساني الأكثر أهمية -عنده- من عوامل الطبيعة والجمال والمنفعة واللذة، فالإنسانية هي العامل المشترك الوحيد الذي يجمع بني البشر عبر اختلاف مشاربهم ومصائرهم وميولهم، إن الشعر عنده موسيقى كونية إن لم تلامس البعد الإنساني لدى المتلقّي فهي معرضة للذوبان والاندثار مع أول صدمة واقع، أما من حيث المضمون الشعري في مشروعه كما يفصّل، فهناك قيمتان ساميتان في ثنائيّة “الوطن والحب” وتحتهما يندرج مفهوم النص الشعري لديه، واستنادا على هذا فيوسف الديك يرى أنّه خلال أزمنة الإبداع مرّت الصورة الشعرية بالعديد من المراحل، بعضها تراجع ونكوص نحو السطحية والركاكة والخطابة، والآخر تطوّر، وهذا الأخير ما يحاول تلمّس مكنوناته في نصوصه الشعرية، بحيث تخرج عن الرتابة والعادية والنمطية نحو الابتكار والخلق الذي يأخذ القارئ نحو شهقة الدهشة كما يقول.

الصورة عنده يجب أن تضيف للنصّ لا أن تعتاش منه، بل هي المحور الأساس والأكثر أهمية بعد مونولوج النص الداخلي وموسيقاه العضوية وبنيته الشكلانية، هي أكثر ما يعنيه عند الكتابة، فأي نصّ يخلو من الصورة الأخّاذة بدرجة ما من السهل أن يهمله ويتنازل عنه للقفز نحو النصّ التالي، فالصورة مستقاة من الأسطورة والرمز التاريخي أو الموروث الديني وأحيانا من النص القرآني كمخزون هائل للغة والاشتقاقات، بينما على الضفَّة المقابلة يقف الخيال والوهم الذي يختصره ضيفنا بأن تعشق امرأة فتجعل منها أيقونة وحديقة ورد، أما الوهم فهو أن لا تكون هذه المرأة موجودة أصلا.

من الإصدارات التي بدأ بها يوسف الديك الكتابة

وفي إطار هذه الثنائية يجنح يوسف الديك للخيال أكثر من الوهم، فهو يعيش قصته الخاصّة في القصيدة ليصنع منها تجربة ذات معنى وقيمة لها ما يسندها على الأرض، من خلال إدراكه أنّه مهما بلغت درجات إبداع الشاعر الواهم فإنّه لن يلامس الخيال الحقيقي لتجربة واقعية، سواء في الألم والوطن أو الحب، لأن ما بني على وهم سيبقى وهما رتيبا مجرّدا من روح الحرف التي تلامس المتلقّي في أدّق لحظاته الروحية كما يرى ضيفنا.

الشعر والسياسة

يرى ضيفنا أنّه في الآونة الأخيرة يتبدّى لنا الشعر في أوج التحدّي مع محيطه المكتظّ بالموت والقتل وأساليب القمع والتفنّن فيها، من سحل وحرق وجز رقاب وبراميل وتعذيب لم يشهد له التاريخ مثيلا إلا في حالات شاذة خارج طبيعته، هنا، كما يقول، يتبدّى دور الشاعر بمحاربة الرصاصة والسيف بالكلمة والصورة والألم الإنساني. يعلن الديك أنه لا خيار أمام الفن والإبداع إلا مواجهة هذا العصر لنضمن عدم الاستسلام للموت والتسليم بالقدر الحتمي.

حديثه دفعنا لنسأله عن مكانة الشاعر بين السياسة والأدب، ليقول إنّ الشعر الجمالي سياسة أيضا، القصيدة الجميلة رد على قاتل قبيح بطريقة أو بأخرى، الشاعر عند يوسف الديك عليه أن يعي دوره الحقيقي والمتمثّل بمشروعه الإنساني بعيدا عن تضييق الخناق على النصّ الشعري بانتماءات سيدفع ثمنها في الخراب العام السائد.

الوطن يظهر مرارا وبصور مختلفة بين البحر والمرأة والموسيقى والفنّ والتراب عند يوسف الديك ولكنّه هو بالنهاية ذاكرة لا تريد أن تنسى كل هذه التفاصيل الجميلة التي إن غابت نقص الوطن وتلاشى تدريجيّا.

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أسأل ضيفنا عن استسهال كتابة الشعر على الصفحات الافتراضية، ليقول إنّ هذا السؤال من الأسئلة الملّحة والأكثر أهميّة في التأريخ الشعري، فالشبكة العنكبوتيّة خدمت الشعر في إظهار أصوات مغمورة لم نسمع بها ولم نكن لنتواصل مع تجاربها في مختلف البلدان لولا مواقع التواصل وهذه تعتبر من أجمل ميزات المواقع، ولكن في الجانب الآخر-يتابع الديك- فقد فتحت هذه المواقع المدى، واسعا أمام طفيليات شعرية ومدّعين كثر من الجنسين يسيؤون بقصدية مسبقة للحرف واللغة والصورة بركاكة وسطحية وأخطاء نحوية وإملائية.

15