هل انتهى عصر المثقف الرافض

الجمعة 2016/12/02

الرفض الواعي سمة المثقف، ومأتى هذا هو أن المثقف فرد بالضرورة لا يتحرك في نظام الجماعات ولا يكتسب منها جوهره بشكل كليّ. فرغم اصطفاف المثقف غالبا في صف المهمّشين والطبقات المسحوقة التي تمثل الأغلبية، إلا أنه ضد أساليب تحركها الجمعية، حيث يقف معها كفرد لا يذوب في نمطها المشترك.

ورغم أن المثقف مازال فردا والجماعة مازالت جماعة، ورغم ما يسلط على كليهما من تنميط وتطويع من قبل النُظم السلطوية، سلط الدين والمال والأخلاق مثلا، فإن الواقع العربي القابع على محكّ حضاري يتضاخم خطره بسرعة هائلة اليوم، يفترض برأينا تغييرا في هذه التفرقة الطبقيّة بين المثقف والعامة.

تحدث الكثير من المفكرين العرب اليوم عن دور المثقف ونظّروا لذلك وأفاضوا الحبر على الأوراق وفي الشاشات، في محاولة لتبيان وتركيز الدور الريادي للمثقف العربي اليوم في الخروج من المأزق الحضاري الذي يدفع بالشعوب العربية إلى العنف وإلى الاستهلاكية وغياب إنتاج حتى الهوية، التي باتت بدورها منتجا مستوردا، ولا يكفي إحياء مظاهر تراثية -مهما كانت- في إعادة مسار الهوية الخاص بيد الفرد أو الجماعة العربيين، حيث تشكيل الهوية فعل دائم وإنتاج خاص وتفاعل متجدد.

يفنّد مسألة الدور الريادي أو حتى الفاعل للمثقف كل ما نراه من تفاعلات “المثقفين” العرب مع ما يدور من حولهم، التي أخذت سمة الرفض وربما رفض واع، لكنها مستميتة في التقسيم الذي أسلفنا ذكره بين فرديّة المثقف وتكتّلات الجماعة. يرفض المثقف العربي اليوم مثلا منتجات ثقافية معاصرة مثل الغرافيتي وأغاني الشارع و”الراب”، يرفض ما تقدمه الدراما من مسلسلات، يرفض السينما التجارية، يرفض التسويق الذي بات يتحكم في كل شيء، يرفض أن تكون الثقافة سوقا، يرفض الذوق العام وينعت ما يرفضه ومما قيل إنه فن هابط، وينعت الآخر بالملتزم “الطالع”.. إلخ.

طويلة هي سلسلة الرفض وقد تكون لها حججها ومنطقها وتأطيرها في بيئتها، لكن المثقف العربي وهو يرفض يمارس من جهة فردانيته ويمارس من جهة أخرى سلطته، وكلاهما بات محض وهم، فليست للمثقف سلطة اليوم، وهو أيضا ليس فردا يمكنه عزل نفسه بشكل واع عن محيطه المضطرب. لذا فرفض المثقف للسوقيّ والفن الهابط والذوق العام وغيرها لن يمسّ منها شيئا بل بالعكس ستخرج له لسانها وتمضي في سيطرتها على المشهد الثقافي الذي بات كما يقول فارغاس يوسا -رافضا بدوره- إنه يقوم على ثقافة التسلية. إن الوظيفة المنوطة بالمثقف العربي اليوم خطرة ومحورية، لكن مهما كانت منتجات المثقف فلا يجب أن تحاول توجيه الذوق العام بشكل فرداني متسلط، ولا يجب توجيهها أصلا، إذ ما نراه ضروريا اليوم هو تغييب الحدود بين المثقف والجماعة، تذويب التقسيمات الطبقية وغيرها من التقسيمات التي صنعت من الشعوب كتلا متنافرة متلاصقة قسرا.

في ظل واقع عربي مهدد بالعنف والانقسام والتناحر، من واجب المثقف أن ينخرط في هموم مجتمعه، وأن يفهم منتجات هذا المجتمع الثقافية وأن يتفاعل معها لبناء وجه جديد يقوم على التنوع والاختلاف والتفاوت، لا على الخلاف والسلطوية التي تقمع حتى الأصوات في الحناجر. فلا يفهم الأرض إلا من مشى في طينها حافيا، يلتحم بها وتلتحم به. لذا نرى أنه من الأجدر القبول بفن الشارع أو الذوق العام وغيرهما وفهمهما بغية التأسيس للوحة ثقافية متكاملة تتكامل وسطها أطياف المجتمع المختلفة.

شاعر من تونس

14