هل بإمكان ترامب قطع العلاقات بالكامل مع الصين

تهديد الرئيس الأميركي باتخاذ قرار قطع علاقات بلاده مع الصين سيجلب أيضا أضرارا اقتصادية إلى الولايات المتحدة.
الأربعاء 2020/05/20
علاقات غير عادية

واشنطن - يثير تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأيام القليلة الماضية بقطع العلاقات بالكامل مع الصين الكثير من الأسئلة في الأوساط الدولية وخاصة في الداخل الأميركي بشأن مدى قدرة واشنطن اقتصاديا وسياسيا على الإقدام على خطوة محفوفة بالمخاطر في عالم تحكمه العلاقات التجارية.

وهدد ترامب الأحد بقطع العلاقات مع الصين، قائلا إن بإمكان الولايات المتحدة “قطع العلاقات كاملةً مع الصين”، مضيفاً “لا أريد التحدث الآن مع الرئيس الصيني”. ومع وجود إجماع دولي على أن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة تسير نحو المزيد من التدهور، يطرح الخبراء الكثير من الأسئلة عن شكل العالم وعن المخاطر التي تهدد البلدين في حال أقدم ترامب على هذه الخطوة.

ورغم استبعاد الكثير من المراقبين لهذه الخطوة، فإنهم أيضا لا يستغربون حدوث ذلك خاصة أن ترامب سبق وأن نفذ تهديداته مثلما حصل بعدما علق تمويل منظمة الصحة العالمية وبعدما هدد مؤخرا يايقاف دعمها نهائيا.

لكن وعلى خلاف حدة نبرة تهديداته تهرّب ترامب عند سؤاله عن التدابير الانتقامية التي قد يتخذها، من الإجابة لكنه قال بلهجة تنم عن تهديد، “هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن نقوم بها. يمكننا قطع كل علاقة” مع الصين وهو ما يجعل المراقبين يصنفونها فقط في خانة التهديد.

وبحسب ما نقلته وكالة بلومبرغ عن المحلل الأميركي ديفيد فكلينج فإن إلقاء نظرة على العلاقات المتوترة للصين مع دول أخرى، يبرز أن بكين تعتمد على الواقعية السياسية أكثر مما تركز على الذات.

عندما تشتد الحرب الكلامية بين الدول، يجب التذكير بأن العلاقات هي علاقات بين شعوب وشركات، أكثر ممّا هي بين الرؤساء

ويضيف “على سبيل المثال، تمر العلاقات الوطيدة بين الصين وأستراليا بمرحلة تصحيح صعبة، مع تهديد الصين بفرض رسوم على وارداتها من الشعير الأسترالي وفرض حظر على استيراد اللحم البقري من بعض المجازر، ردا على دعوة أستراليا إلى إجراء تحقيق لمعرفة ما إذا كانت أسواق الطيور والحيوانات الحية في الصين هي المسؤولة عن ظهور فايروس كورونا المستجد. في الوقت نفسه فإن صادرات أستراليا إلى الصين، تزيد عن إجمالي صادراتها إلى أكبر أربع شركاء تجاريين لها بعد الصين”.

وبناء على هذه المعطيات وعلى تمدد الصين تجاريا، فإن أغلب الخبراء يؤكدون أنه لو نفذ الرئيس الأميركي تهديداته، فإن واشنطن ستتضرر اقتصاديا من الصين.

على الصعيد الدبلوماسي تتميز بكين باختراق كل القارات، حيث ما زال الغضب يسيطر على العلاقة بين كانبرا وبكين منذ سنوات. وكان آخر لقاء جمع بين زعيمي البلدين في 2016 ولم يضع الرئيس الصيني شي جينبينغ أستراليا على جدول رحلاته الخارجية المزدحم منذ 2014.

وشهدت العلاقات الثنائية بين كانبرا وبكين تصاعدا في التوتر بسبب قوانين مكافحة النفوذ الأجنبي في أستراليا وملف حقوق الإنسان في الصين وقيام الأخيرة باعتقال الكاتب الأسترالي يانج هينجوين وحتى فضيحة تناول السباح الصيني صن يانج للمنشطات، والذي قررت اللجنة الأولمبية الدولية إيقافه.

ورغم كل هذه الخلافات، ما زالت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الصين وأستراليا جيدة كما هي دائما. فالواردات الصينية من أستراليا خلال العام الماضي وصلت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. وعدد الدارسين الصينيين المسجلين في الجامعات الأسترالية وصل إلى مستوى قياسي ليبلغ ضعف العدد في بداية عودة الدفء إلى العلاقات بين البلدين عام 2014.

وفي العام الماضي، تركزت الدبلوماسية التجارية بين بكين وكانبرا، حول ادعاءات أستراليا بأن الصين تستخدم إجراءات التفتيش الجمركي لفرض حظر ناعم على صادرات الفحم الأسترالي، ومع ذلك زادت كمية صادرات الفحم الأسترالي إلى الصين حتى نهاية مارس بنسبة 21 في المئة عن العام السابق.

ويرى المحلل الأميركي ديفيد فكلينج أن أفضل تفسير لهذا الشكل غير المعتاد للعلاقات هو أنه في حين يمكن أن تحاول القيادة الصينية ممارسة البلطجة على دول صغيرة مثل النرويج، فإن غريزة البقاء تجعل هذه القيادة واقعية للغاية عندما يتعلق الأمر بواردات أساسية من شركاء تجاريين رئيسيين. هذه الحقيقة تظهر في حالة كوريا الجنوبية التي زادت صادراتها إلى الصين بنسبة 11 في المئة عام 2017 عندما كانت العلاقات السياسية بينهما في أسوأ حالاتها بسبب قيام الولايات المتحدة بنشر منظومة الدفاع الصاروخي المضادة للصواريخ ثاد في كوريا الجنوبية.

تهديدات دائمة
تهديدات دائمة

ومن أستراليا ينتقل المحلل الأميركي ديفيد فكلينج إلى العلاقات مع البرازيل، حيث جاء الرئيس البرازيلي جاير بولوسونارو إلى السلطة وهو يبدو مصمما على تبني خطاب معاد للصين في كل مناسبة. ولكن قادة الصين رفضوا بحسم التجاوب مع إساءات الرئيس البرازيلي وعملوا بدأب على تطوير العلاقات مع دولة البرازيل التي تعتبر مصدرا رئيسيا لخام الحديد وفول الصويا واللحوم.

وتتصرف الولايات المتحدة بنفس الطريقة الصينية رغم كل الكلمات المعادية والنارية التي تصدر من البيت الأبيض. فبعد ثلاث سنوات من الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، كانت قيمة الاستثمارات التي ضختها الشركات الأميركية في الصين خلال 2019، قريبة من نفس الاستثمارات السنوية منذ 2005 وتبلغ 14 مليار دولار سنويا، بحسب بيانات مؤسسة “روديوم جروب” للاستشارات.

وفي حين تراجع تدفق الاستثمارات الصينية إلى الولايات المتحدة، فإن ذلك جاء في إطار تراجع عام للاستثمارات الصينية في الخارج، ونتيجة القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على الشركات الصينية، ونتيجة قرار صيني لمعاقبة أميركا على مواقفها التجارية.

وفي استبعاد لعدم تمكن ترامب من قطع العلاقات بالكامل مع بكين، يقول المحلل الأميركي “عندما تشتد الحرب الكلامية بين قادة الدول، يجب تذكير الجميع بأن العلاقات بين الدول هي علاقات بين شعوب وشركات، أكثر ممّا هي بين الدبلوماسيين والرؤساء. ومن هذا المنظور فإن العلاقات الأميركية الصينية ما زالت دافئة للغاية”.

6