هل بات الشاعر العربي مشككا في انتفاضات "الربيع العربي"

الأحد 2013/12/29
المشهد الشعري العربي في العام 2013

على مدى عام لم تشهد التجربة الشعرية العربية الحديثة اختراقات هامّة تذكر يمكن أن تنضاف إلى رصيد هذه التجربة وتعزز من مكانتها في المشهد الثقافي العربي، سواء على مستوى المنجز الشعري السائد أو التجارب الشعرية الجديدة، إذ لا تزال هذه التجارب في وضعها الراهن تعاني الكثير مما ورثته من السنوات الماضية سواء في انحسار حضورها، أو في حجم الفوضى التي تكتنفها أو من جهة استسهال الكتابة والنشر، إضافة إلى تراجع في الاهتمام النقدي بها، وهو ما يتضح من خلال عدد الأعمال النقدية المحدود الذي صدر خلال هذا العام، وتناول هذه التجربة وأنساقها وتحولاتها البنيوية والجمالية والأسلوبية بالتحليل والقراءة والدرس.

لعل الأكثر تعبيرا عن أزمة الشعر العربي الراهن هو انسحاب بعض الشعراء من هذا المشهد والاتجاه نحو المغامرة السردية، وكأن الشعر ضاق بهم أوهم ضاقوا به، فاتجهوا نحو مساحة أوسع للقول والحضور. في حين لا يبدو أن الشعراء الكبار أو ما أطلق عليهم رواد الحداثة الشعرية باتوا قادرين على تقديم ما هو جديد فيما يكتبونه، حتى أضحت الكتابة بالنسبة لهم وكأنها نوع من الإصرار على الاستمرار في تطويب هذه المكانة، بدلا من الاعتراف بالإفلاس الشعري الذي باتت تعيشه تجربتهم، وهي تعيد كتابة نفسها ولكن على نحو أقل إبداعا مما كانت عليه فيما مضى.

إن القراءة الأولية للمشهد الشعري لهذا العام تقودنا إلى جملة خلاصات منها أن قصيدة النثر بجميع أنماطها ومسمياتها ومستوياتها باتت تهيمن على المشهد الشعري الحديث، دون أن يعني ذلك أن هذه القصيدة تعيش أفضل حالاتها الإبداعية ومستويات تطورها باستثناءات باتت معروفة للمتابع للتجربة الشعرية.

فوضى شعرية

يقابل هذا الحضور الواسع لقصيدة النثر انحسار واضح لقصيدة التفعيلة التي باتت وقفا على شعراء ينتمون إلى أجيال السبعينيات والستينيات والثمانينيات، وهو ما يدل على تحول واضح وجليّ في المزاج الشعري عند الأجيال اللاحقة، لكنه في الآن ذاته يعكس حالة من الاستسهال والفوضى في الكتابة الشعرية، ساهمت إلى حد بعيد في تعميق أزمة الشعر التي نجم عنها تقلص في عدد جمهوره وقرائه، الأمر الذي دفع بدور النشر إلى تقليص عدد مطبوعاتها من دوواين الشعر إلى الحد الأدنى، بل إن أغلبها بات لا يطبع تلك الدوواين إلا على نفقة أصحابها، نظرا لانحسار عدد قراء الشعر عربيا بعد أن ظل يفرض سطوة حضوره على الثقافة والذائقة العربيتين زمنا طويلا.

تراجع الاهتمام النقدي بالشعر

وإذا كان حال الشعر بصورة عامة بهذه الصورة فقد انضاف إلى هذه التحديات التي يواجهها امتحان آخر تجلى في الواقع الجديد، الذي أفرزته الثورات العربية باعتبارها شكلت انقلابا جماهيريا على أنظمة الاستبداد والفساد والقمع، ما جعل الشعر الذي فيما يبدو مزال عاجزا عن التفاعل الخلاق والمبدع مع هذه الثورات، إما أن يسقط في مطب المباشرة والخطابة والانفعال الآني بهذا الحدث الكبير، أو أنه ظل يحاذر الانقياد وراء حالة الاندفاع العاطفي والهيجان الشعوري الذي ولدته تلك الثورات، فراح يمعن التأمل في المشهد المتلاطم وفي اللغة معا، تاركا للتجربة وبما تملكه الذات الشعرية المتحفزة من موهبة ومخيلة مبدعة أن تستحضر مخزونها الحسي والرمزي والجمالي، وأن تعيد صياغة عقدها الجمالي والبلاغي مع اللغة والواقع الجديد المندغم في سيرورته مع سيرورة الذات والتجربة والكتابة.

لكن تجارب محدودة هي التي استطاعت أن ترتقي بمخيلتها الشعرية إلى هذا المستوى من الكتابة الراقية بلغتها الاستعارية المشحونة بالتوتر والتعبير الدرامي والملحمي عن هذا الحدث العظيم. ولكي لا نتهم الشعر وحده بالمسؤولية عن هذه الفوضى التي باتت تسم واقع قصيدة النثر فإننا يجب ألا ننسى الدور الذي تلعبه الصحافة الثقافية إلى جانب غياب المرجعيات النقدية التي يمكن أن تشكل أساسا نظريا ومعرفيا يمكن لشعراء قصيدة النثر أن يستهدوا به، دون أن ننسى أيضا الدور الذي تلعبه فوضى النشر وغياب المنابر الثقافية التي يشرف عليها ويديرها شعراء أو نقاد من أصحاب الخبرة والذائقة والمواقف الموضوعية التي تنحاز للشعر الأصيل أولا وأخيرا.

حس رثائي

أغلب الأعمال الشعرية التي صدرت هذا العام لشعراء قصيدة التفعيلة ظلت مسكونة بذلك الحس الرثائي والرؤية الحزينة والقاتمة التي تعبر عن سقوط الأحلام الكبيرة والغربة والضياع الذي بات يسم الواقع العربي حتى أضحت قصيدتهم لا تغادر فضاء أرض اليباب والشعور بالفجيعة والخيبات والخراب العميم.

إن التحول باتجاه قصيدة النثر في المشهد الشعري لهذا العام كما يتبدى في عدد الأعمال الشعرية التي صدرت لا يختلف في دلالاته ومرجعياته واقتراحاته الجمالية والبلاغية عن السائد العام من الكتابة الشعرية، باستثناءات ترتبط أساسا بتجارب محددة تمتلك منطلقاتها الرؤيوية ولغتها الاستعارية وخصائصها التعبيرية انطلاقا من إدراكها بأن الكتابة الشعرية هي خلق جديد في اللغة وللغة داخل اللغة، بحيث تعيد القصيدة بناء علاقات جديدة لعلاقة الشاعر مع العالم والأشياء، وبين الأشياء نفسها على نحو يتجاوز المعطى الحسي للتجربة. في ضوء هذه المعطيات فإن قصيدة النثر بما قدمته من تجارب وأسماء تكشف عن طيف واسع ومتباين من الكتابة الشعرية واختياراتها الأسلوبية والبلاغية والرؤيوية، لكن ما تكاد تجتمع عليه أغلب تلك التجارب هو أنها باتت محكومة بعلامة فارقة هي استغراقها في بعدها الذاتي، بعد أن انسحب الشاعر من موقعه المتقدم كرائي وعراف ومبشر إلى الهامش، وتخلى عن علاقة نصه بالايديولوجيا ووظيفته الاجتماعية، مكتفيا في الغالب بمخزونه من الحدس الحسي بأشكاله ومسمياته المختلفة، وبتأملاته في الأشياء المحيطة به، وذلك مع اتساع ظاهرة ما بات يعرف بقصيدة اليومي والمباشر أو قصيدة المعيش وقصيدة التفاصيل، لكن ما يستوقف القارئ في هذه التجارب هو نزوعها نحو التجريب دون وجود أفق نظري تستند إليه، أو نحو التقليد ما خلق حالة من الكتابة النمطية وإعادة الإنتاج نتيجة غياب الاجتهاد والبحث وتفعيل المخيلة ومحدودية الموهبة عند عدد من هؤلاء الشعراء.

مغامرة تحرير الحواس

حاولت قصيدة النثر استثمار تقنيات الكتابة الأخرى كالسرد الذي نجم عنه شيوع اللغة التقريرية في القصيدة واستحضار الجوانب الحميمية في علاقة الذات الحسية بأشياء عالمها وتفاصيله المنسية أو المهملة. وقبل كل هذا كان هناك حضور واسع لهيمنة الصورة البصرية على تلك الكتابات، أو ما يعرف بالمجاز البصري القائم على الحدس الحسي وعلاقته الجديدة بالواقع نتيجة تغير المنظور أو رؤية الشاعر إلى الأشياء والعالم تحت تأثير وسائل الميديا. على جانب آخر برزت لغة الانزياح بكل مسمياتها سواء على مستوى بنية الصورة الشعرية وعلاقات العناصر المشكلة لها، أو على مستوى بنية اللغة الاستعارية التي خلقت واقعا من الغرابة والدهشة الناجمتين عن الانزياحات التي أصبحت تقيمها القصيدة على مستوى العلاقة بين المتخيل الشعري والعناصر التي تتشكل منها بنية النص العابرة للمعطيات الحسية لتجربة الشاعر الشاعر ورؤيته إلى الأشياء والعالم واللغة.

بعض الأصوات الشعرية العربية جنحت نحو العدمية ووطأة الشعور بالتجربة الوجودية وعبثية الأشياء

لكن مغامرة القصيدة التي لا تخلو من تحرير للحواس والجسد من سلطة المعطى الناجز للواقع ومن تفعيل للحدس الحسي قد ذهبت باتجاه تفكيك البنى الرمزية والقيمية لعلاقة اللغة بالجسد باعتباره محوا وإعادة، وكتابة فوق كتابة، فقدت شرعية تداولها بعد أن أصبحت العلاقة مع الجسد، لاسيما في نصوص الشاعرة الأنثى مصدرا للمجاز وبلاغة الحضور واكتشاف ثراء الذات دون أن ننسى ما جنحت إليه بعض الأصوات نحو العدمية ووطأة الشعور بالتجربة الوجودية وعبثية الوجود، حتى أصبحت الكتابة عندها ظلالا قاتمة تطارد هذا العبث اليومي لسوريالية الحياة.

حداثيون كانوا شعراء


حاول الشعر، على غرار الرواية، أن يتمثل لحظة انفجار غضب الشارع العربي وأن يستعيد قوة حضوره الإبداعي بما يتناسب مع الحالة الجديدة التي صنعتها هذه الثورات.

لكن الشعر الذي يعد من أكثر الأجناس الأدبية الذي تنتج لغته الشعرية عن الوظيفة الانفعالية للغة، مازال بعيدا عن استعادة فاعلية حضوره وقدرته على مواكبة هذا الحدث نظرا لحالة التشكل والصراع المفتوحة التي ما زالت تعيشها تلك الثورات بين قوى الحرية والاستبداد، إضافة إلى ذلك الموقف الارتيابي والمتشكك الذي أبداه بعض الشعراء تجاه تلك الثورات.

من هنا فإن الشعر وفي مقدمته قصيدة النثر ما زال بطيئا في تفاعله مع هذه التحولات العاصفة شكلت مختبرا حقيقا لضمائر الشعراء ووجدانهم الإنساني، حيث نجح البعض في هذا الامتحان وسقط العديد منهم عندما لم يعد ممكنا أن يستمروا في الكتابة من خلف أقنعة طالما تخفوا وراءها. وهكذا كانت العلامة الفارقة والصادمة في هذا المشهد هي ما آلت إليه مواقف بعض من يعرفوا برموز الحداثة الشعرية العربية من ثورات الربيع العربي لاسيما في سوريا على الرغم من قسوة وفظاعة المشهد الدموي للقتل الممنهج الذي يمارسه نظام الجريمة ضد السوريين، وكأن ضمائرهم استقالت من وظيفتها وأصبحت أسيرة نوازع باطنية وفئوية، على الرغم من كل ما كانت قد ادعته ونظَّرت له حول الحرية والحداثة والتغيير والثورة على الواقع، الأمر الذي أسهم في تعرية هذا التناقض والازدواجية التي تعاني منها هذه النخب، ومن أدعى منهم على أنه حامل لمشاريع الحداثة ونقد الاستبداد حتى إذا حانت لحظة الحقيقة تكشفت تلك الحقيقة كاشفة عما بدواخلهم من أمراض وعلل سعوا طوال تاريخهم أن يوهموا قراءهم ومريديهم وأنفسهم أنهم صوت الطلعية الحداثية وحاملو مشعل التنوير العربي.

الشعر في المشهد الثقافي العربي

بينما كان بعضهم الآخر يحمل تابوت آلامه وعذاباته نحو جلجته المزعومة. لكن هؤلاء الآباء الخائبين والأنبياء الكذبة سرعان ما تهاووا مع أبويتهم وصلبان عذاباتهم التي كانوا يدعون أنهم يحملوها كل يوم في أول امتحان حقيقي لهم، كاشفين عما يعانونه من نفاق، وما يمارسونه من خيانة لأفكار طالما بشروا بها، ولقيم حاولوا أن يقدموا أنفسهم على أنهم الآباء الروحيون لها.

في حين أن شباب الثورات العربية استطاعوا في لحظة من الزمن أن ينقلوا تلك الأفكار المجردة من سماء الخيال إلى أرض الواقع، ومن الترف الفكري والاستغرابي إلى الممارسة الواعية الممهورة بالدم. ولعل مواقف الشعراء أدونيس وسعدي يوسف وأنسي الحاج ونزيه أبو عفش وعادل محمود وعبد المعطي حجازي من هذه الثورات هي الأكثر تعبيرا ودلالة على مدى إفلاس هذه النخبة وخطابها الحداثي والإنساني المزعوم.


مشهدية الأيام السبعة

مقابل ما ذكرنا، برزت بعض الأعمال والنصوص الشعرية التي شكلت إضافة مهمة للمنجز الشعري في انحيازه لصوت الحرية والكرامة ودماء الضحايا والشهداء الذي كتبوا قصيدتهم بدمهم ودونوا شهاداتهم العظيمة على جريمة الطغاة ووحشيتهم التي فاقت في بشاعتها كل جرائم التاريخ. ولا غرابة أن نجد أكثر التجارب والنصوص الشعرية التي صدرت أو نشرت هذا العام كانت سورية بامتياز نظرا لفداحة المأساة الإنسانية السورية وطولها الزمني وحجم الموت والخراب والفظاعة التي فاقت أي تصور محتمل لهول الجريمة التي تحدث هناك أمام صمت العالم وعلى مرأى من ضميره الإنساني الذيفقد الحياة. قصيدة الأيام السبعة الطويلة للشاعر نوري الجراح تأتي في مقدمة تلك النصوص، التي تلغي المسافة بين الكتابة وقيامة الحياة الجديدة بكل عنفوانها البطولي والتراجيدي، دون أن تخسر رهانها الشعري وتكثيفها الاستعاري والرمزي وحفرها في اللغة والحدث لصالح السياسي أو الآني. ثمة نصوص عديدة أخرى لعلي جازو وجولان حاجي وآخرين تنضاف إلى إنجازات التجربة الشعرية السورية الجديدة ورصيدها الجمالي والتشكيلي والاستعاري في استحضارها لمشهدية الموت والدم في هذه الثورة العظيمة التي شكلت علاماة فاصلة في ثورات ما بات يعرف بالربيع العربي.

12