هل بات العرب خارج تاريخ العلم نهائيا

مساهمة الدول العربية الاثنتين والعشرين لا يتجاوز بالكاد الاثنين في المئة مما يُنتج على المستوى العلمي الكوني.
الأربعاء 2020/02/12
لا وصفة جاهزة لحل علل البحث العلمي العربي

تبدو آخر المعطيات التي تخص وضعية البحث العلمي بالعالم العربي صادمة، وإن كان الأمر لا يحمل أي مفاجئة. إذ أن الوضعية كانت دائما قاتمة، ومعاكِسة لما يعرفه العالم من تراكم مذهل ومتواصل للإنتاج العلمي والفكري والثقافي، تؤسسه ملايين العناوين الصادرة عبر عواصم العالم الثقافية. ولعل من باب الصدفة أن تصدر، بشكل متزامن، حزمة تقارير، يجمعها رسمُها للصورة القاتمة للإنتاج العلمي العربي، مع اختلافها على مستوى المؤشرات المعتمدَة ومناهج تحليل المعطيات. وإن كانت كل التقارير لا تحمل وصفة للخروج من هذه الوضعية، لسبب بسيط هو أن لا وصفة للأمر. ذلك لأن دخول مجتمع المعرفة والإسهام فيه هو رهين مسار طويل، قد يتجاوز حسن النوايا والمجهودات الفردية.

لا يبدو غريبا أن نعود لنكتشف من جديد مع كل عام ملامح الخلل على مستوى الحياة العلمية في العالم العربي، سواء من خلال تقرير “البحث العلمي والابتكار بالعالم العربي”، الذي أنجزه الباحثان أحمد أزيرار وهشام بوطراشح، قبل أسابيع لصالح مؤسسة علمية مغربية وهو المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية، أو من خلال تقرير “الابتكار أو الاندثار” الذي أطلقته مؤسسة الفكر العربي. وذلك بالإضافة إلى “تقرير اليونسكو للعلوم: نحو 2030”.

إن إسهام مجموع الدول العربية الاثنين والعشرين، لا يتجاوز بالكاد الاثنين في المئة مما يُنتج على مستوى الإنتاج العلمي الكوني. وإن كانت بعض الدول العربية المحدودة قد حققت تطورا نسبيا، كما هو الحال بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية التي بدأت تسحب الريادة من مصر. ولعل ذلك ما يؤكده التقرير الحديث الخاص بمؤشر نيتشر الذي يهم السنة السابقة. وإن كانت منشورات البلدين لم تتجاوز، منذ بداية العقد الأول من الألفية الجديدة، العشرة آلاف عنوان سنويا. وذلك في اللحظة التي تعجز دول أخرى عن الرفع من إسهامها العلمي، حيث تكتفي بلدان كالإمارات العربية المتحدة والمغرب وتونس بأقل من نصف عدد هذه العناوين. أما الدول الصغيرة، كجزر القمر ودجيبوتي والصومال، فلا يتجاوز إنتاجها بالكاد الخمسين عنوانا سنويا.

مئة كتاب فقط

أما الأمر الغريب فيكمن في التباين الكبير بين عدد المنتجين المفترَضين العرب وبين إنتاجهم. وهو ما توضحه حالة المغرب، على سبيل المثال. إذ أن الجامعة المغربية، برغم حداثتها، تمكنت من مراكمة عدد هام من الباحثين. وقد انتقل عددُهم من ستمئة أستاذ خلال منتصف ستينات القرن الماضي، إلى ما يقارب العشرين ألف أستاذ خلال السنة الجارية. غير أن ارتفاع عدد الأساتذة الجامعيين لم يُترجم، بشكل كبير من خلال حجم إنتاجهم، وذلك بالرغم من أهمية الإسهام البارز للجامعة على مستوى تحديث المناهج والأفكار.

وارتباطا بذلك، وحسب الدراسة التي كنتُ قد أنجزتها حول قطاع الكتاب بالمغرب، لم يتجاوز عددُ العناوين الصادرة في مجالات العلوم الحقة والعلوم التطبيقية والطب والصيدلة، في بداية العقد الأول من الألفية الجديدة، المئة كتاب. وذلك في الوقت الذي كان عددُ الأساتذة الجامعيين المشتغلين في هذه المجالات، خلال نفس السنة، يقارب الخمسة آلاف أستاذ.

ولعل الأمر نفسه يهم بقية المجالات العلمية الأخرى، وبدرجات متفاوتة أحيانا. حيث نجد أن إنتاج الباحثين المغاربة المنتسبين إلى جامعة محمد الخامس الشهيرة، في مجال الكيمياء، الصادر خلال حوالي أربعين سنة، لم يتجاوز بالكاد، حسب الباحثة فاطمة بيزكارين، الألف مقال وإسهام في أعمال مؤتمرات. بينما لم يصدروا أي كتاب. في حين يعود ثلثا الإنتاج في مجال العلوم الاجتماعية، الصادر ما بين الستينات ومنتصف تسعينات القرن الحالي إلى سبعة باحثين فقط.

عملية انتحارية

وبشكل مضاد لأهمية تطوير البحث العلمي وتطور إنتاجية باحثيه، سيُقدم المغرب، مع بداية الألفية الجديدة، على عملية شبه انتحارية، مع إطلاق ما يعرف بالمغادرة الطوعية. وإذا كان الهدف منها هو تقليص الأجور، غير أن تدبير هذه العملية تم بشكل غير مدروس. وكان من أول ضحاياها هو الجامعة. إذ سيختار أكثر من عشرين في المئة من الأساتذة الباحثين، مغادرة الجامعة ومعها البحث العلمي، تحت إغراء التعويضات المقدمة. وبذلك فقدت الجامعة المغربية جيلا بكامله دون التفكير في الجيل البديل. أما الطريف فهو كون مهندسي برنامج المغادرة الطوعية قد اختاروا كشعار للبرنامج: “انطلاقة”!

وخارج هذه الحالة، تبدو وضعية البحث العلمي العربي مفارقة لعدد من نقط القوة التي يمنحها السياق العربي العام. وعلى رأسها التراكم الذي حققه العرب، خلال قرون، على مستوى إنتاج المعرفة العلمية والاهتمام بالبنيات الخاصة بتداولها. وذلك سواء من خلال حلقات التدريس بالجامعات العريقة أو من خلال المكتبات. ولعله نفس الأمر الذي كانت تمثله قدرة المؤلفين المذهلة على خلق تواصل مدهش بين مؤلفاتهم، في لحظة لم تكن هناك أدنى شروط للتواصل. وهو الأمر الذي تعكسه مؤلفات الفهارس، التي تشكل مصدرَ معلومات يمنح إمكانية رسم شجرة انسياب المعرفة ومسارات تداولها. وسيكون هذا السبق وراء انتباه البحث العلمي في الغرب، ابتداء من ستينات القرن الماضي، إلى أهمية الاستشهادات المرجعية، باعتبارها وسيلة لتقييم حركية الإنتاج المعرفي والعلمي. بل سيشكل هذا الاهتمام بالاستشهادات مجالا علميا مستقلا، له مناهجه، وعلى رأسها المنهج الببليومتري القائم على تطبيق الإحصاء على الإنتاج المعرفي المكتوب.

لا وصفة جاهزة

وتندرج في نفس السياق العناية المبكرة بالترجمة، التي كانت لها مؤسساتها الخاصة. ومن بينها، على سبيل، بيت الحكمة، التي شكلت فضاء لتلاقي تجارب هامة، ساهم فيها مترجمون ينتمون إلى فضاءات ثقافية وقوميات مختلفة، في صورة مذهلة، تعبر عن تجربة مشتركة وجماعية على مستوى الحوار الإنساني. وذلك قبل أن ينطفئ العهد الذهبي على مستوى الترجمة بالعالم العربي، لتنطلق رحلة الأوروبيين على مستوى إعادة ترجمة التراكم الذي حققه العرب على مستوى التأليف والترجمة.

لا وصفة جاهزة لحل علل البحث العلمي العربي، لكن التماهي في التموقع في ذيل ترتيبات الدول هو الوصفة السريعة للخروج من مجتمع المعرفة، الذي لم ندخله بعد!

15