هل بالإمكان تحديد قيم عابرة للمحيط خاصة بالعصر الرقمي

السبت 2015/11/07

على مدى الأسابيع الأربعة القادمة سأكون في رحلة في أرجاء الولايات المتحدة لاستكشاف كيف يجد المواطنون الأميركيون توازنا بين الابتكار الرقمي وخصوصية المعطيات. ومن بلدي ألمانيا أحمل شعورين اثنين للرحلة كزاد ذهني، وهما الغيرة والقلق. القلق لأننا نرى تحديات متنوعة تقف أمام تمكين المستهلكين والمواطنين من الإبحار في العالم الرقمي الجديد.

أما الغيرة، فلأننا في ذات الوقت خائفون من الخسارة في جانب الدينامية الاقتصادية للابتكار الرقمي. وكلا الشعورين يتصارعان من أجل أن تكون لكل منهما اليد العليا. لكن إذا ما سألت المقاولين ستكتشف أن نظرتهم أوضح بكثير: الكثير جدا من القلق، والقليل جدا من الشجاعة والتقدم. هذا هو التشخيص الذي يخص دور ألمانيا الحالي في تشكيل المستقبل الرقمي.

مؤخرا نظم الحزب الحاكم، جولة في مشهد المشاريع الرقمية الجديدة في برلين. ومهما بلغت درجة التفاؤل التي ربما شعر بها المشاركون بعد زيارة عدة مشاريع حيوية، جاء هاسو بلاتنر، مؤسس شركة البرمجيات (ساب) ليلطّف منها سريعا. ويقول هذا الرجل إن ألمانيا، الرائدة سابقا في مجال الابتكار، كانت بطيئة جدا في تحولها من تركيزها التقليدي على الهندسة إلى تطوير حلول تفاعلية للهواتف الذكية واللوحات الرقمية والسيارات ذاتية القيادة، حيث جاءت كل هذه الابتكارات من الخارج. ودون اتخاذ خطوات جذرية ستتأخر ألمانيا عن الركب في القدرة على المنافسة الاقتصادية بالسوق العالمية، وهو تنبؤ يبدو مرعبا للألمان الذين يفتخرون بميزان الصادرات لديهم (والحال أنهم تلقوا ضربة قاسية بسبب فضيحة فولكسفاغن).

الشركات المهيمنة في مجال الإنترنت تأتي من الولايات المتحدة، حيث بنت كل من فيسبوك وأمازون وآبل وغوغل إمبراطوريات من المعلومات الرقمية، ولا يوجد صنو واحد لهذه الشركات في ألمانيا أو حتى في أوروبا. وبطبيعة الحال أدى غياب التنافس إلى الحصول على نصيب كبير من السوق، فمثلا ظل نصيب غوغل من السوق أكثر من 90 بالمئة في أوروبا على مدى سنين من الآن. فقد حاول الاتحاد الأوروبي مرارا وتكرارا تمهيد أرضية الملعب ويبدو أنه وجد ثقة متجددة لشراء عملاق الإنترنت.

وبغض النظر عن هذه الخطوات يبدو أن الألمان يفضلون الشركات المتمركزة حاليا على المنافسين الأوروبيين الصغار، وحتى عند وجود بدائل، يبدو أن المستهلكين يفضلون الخدمات والعروض التي يقدمها اللاعبون الكبار في وادي السيلكون.

وفي ذات الوقت، وفي موقف لا يخلو من السخرية، نجد الألمان قلقين حول جمع معلوماتهم الشخصية والتهديدات لخصوصياتهم، فحماية المعلومات أمر مهم بالنسبة إلى الألمان. وحسب الاستبيان الحالي الذي تقوم به فدرالية المنظمات الألمانية للمستهلك، فإن 97 بالمئة من المستهلكين في ألمانيا لا يريدون للشركات أو الحكومة استخدام معلوماتهم لغايات أخرى مغايرة لما وافقوا عليه صراحة. ومع ذلك يأتمنون على معلوماتهم الخاصة شركات ليست مجبرة على التقيد بالمعايير الصارمة الخاصة بحماية المعلومات في ألمانيا.

وهذا يقود إلى وضعية تكون فيها الشركات الألمانية مقيدة في تطوير نماذج أعمال مرتكزة على المعلومات بينما يكون للشركات الأميركية كامل الحرية لجمع المعطيات الخاصة بالمناقصات في أوروبا. أو مثلما لاحظت المستشارة الألمانية ميركل في برلين في قولها “لا نسمح لمعطياتنا أن تتحول إلى عائدات في ألمانيا، ومن ثمة نترك المجال للأميركيين الذين يفعلون ذلك من قبل”.

المعلومات هي القوة الدافعة للابتكار، وليست شركات الإنترنت الكبرى فقط هي الشاهد على ذلك بل وكذلك شركات مبتدئة مثل “أللي آبس”، إذ تقوم هذه الأخيرة ببيع معطيات مرورية مجهولة المصدر. وحسب المدير العام لهذه الشركة طوم كريشباوم لا يمكنهم الوجود دون توفر المعطيات.

لكن، من يملك المعلومات (سواء كانت مجهولة المصدر أم لا) التي بإمكانها دفع النمو والمداخيل بالنسبة إلى الشركات القديمة أو الجديدة؟ وإذا كانت المعلومات هي العملة الأهم في العصر الرقمي، لماذا لا يكسبها صاحب المعلومات أي المستخدم هو الآخر؟

الحماية والابتكار هما الموقفان المتصارعان في ألمانيا، (وفي غيرها من دول العالم)، فمن جهة نجد الألمان ينظرون بغيرة لقوة الاقتصاد الأميركي في الابتكار التي تبنى أيضا على التعامل الفضفاض مع المعلومات، في حين يقلق المواطنون والمشرعون الألمان بالدرجة الأولى على سلامة معلوماتهم الشخصية.

إن ألمانيا وأوروبا في حاجة إلى إيجاد طريقة للمصالحة بين الغيرة والقلق، أما الولايات المتحدة فيمكن أن تواجه تحديات خاصة بها. وفي عالم يزداد ترابطا بشكل غير مسبوق ويكبر فيه الاقتصاد الرقمي بشكل سريع يتجاوز حدود الدولة الوطنية، أعتقد أنه من الضروري إيجاد أجوبة عبر حوار لا يقل ترابطا وتجاوزا للحدود الوطنية.

باحثة بمؤسسة جيرمان مارشال فاند

7