هل برشلونة لم يعد إسبانيا بعد اليوم

الثلاثاء 2017/10/03

بعد قرار التصويت على انفصال إقليم كردستان عن العراق، صوّت الكاتالونيون الأحد بغالبية واسعة لصالح الخروج عن مدريد. ورغم التحذيرات والتنديد المتواصل بمنع إجراء خطوة الاستفتاء، فإن الكاتالونيين وصلوا إلى ما كانوا يطالبون به الحكومة الرسمية.

لكن بعيدا عن السياسة وزخمها وبعيدا عن أخبار لغة التضييق وسياسة الحظر التي سيُعامل بها الكاتالونيون مستقبلا، فإن مسألة غاية في التشويق والإثارة يتداولها متابعو استفتاء إقليم كاتالونيا، تتعلق أساسا بمحور الإقليم ودينامو الحركية التي يعرف بها في الأوساط العالمية وهو نادي كرة القدم العريق برشلونة. هل خطط الكاتالونيون ليوم كهذا؟ ما هي استتباعات الانفصال على الفريق الإسباني في قادم الاستحقاقات الرياضية؟ ماذا يعني الانفصال عن مدريد في لعبة كرة القدم ومباريات الكلاسيكو التي تعرف بالثأر وتترك فيها جميع المحاذير جانبا؟

أسئلة عديدة وردود فعل متباينة ومقاييس جد متباينة اختزلها مؤيدو الخروج عن مدريد في قرار الانفصال وزادها الاستفتاء بنعم تعميقا في الإقليم الإسباني.

برشلونة لم يعد إسبانيا، أي تصور في عالم كرة القدم هذا؟

كرة القدم في إسبانيا لا يتابعها العرب والأوروبيون والأميركيون فقط. ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد وغيرها من الأندية الصاعدة في مدريد تاه وراءها جمهور واسع وعريض من الشغوفين بعالم الكرة والمهووسين بدروبها خصوصا في المسابقات العالمية كدوري رابطة الأبطال الأوروبية.

وخلافا للدوري الإنكليزي الممتاز الذي تحركه فرق عريقة بنجومها ومدربيها على غرار مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وأرسنال، فإن عالم كرة القدم في إسبانيا يغذيه ناديان عريقان هما ريال مدريد وبرشلونة. هذا لا يغيب عن مخيلة أي هاو في المجال. الفريقان صنعا شهرتهما الواسعة من متابعيهما عبر العالم.

وفي سياق مقاربة نظرية لكنها حتمية فإن الجماهير المتابعة للناديين منقسمة حتى داخل البيت الواحد. هناك العاشق للبارسا بنجمها ليونيل ميسي ولويس سواريز وآخر يأخذه سحر كريستيانو رونالدو وكريم بنزيمة وغيرهما إلى عالم لا يعرفه إلا هو.

اليوم هذه المقاربة ربما تختفي على ضوء الاستفتاء بنعم لخروج الكاتالونيين عن مدريد. معدل التصويت بنعم فاق كل التوقعات. نسبة خيالية تقدمها الأجهزة القائمة على عمليات التصويت تخطت حاجز الـ90 بالمئة رغم الانتهاكات وعمليات المداهمات والهرسلة التي مارستها أجهزة الأمن والتي سجلت في أكثر من مكتب تصويت. وهذا ما يبرر النزعة والهاجس اللذين يعيش عليهما الكاتالونيون بانتظار لحظة الحسم النهائي.

الرأي المساند للانفصال جاء من داخل الفريق الكاتالوني نفسه للاعب الإسباني ونجم البارسا الشهير جيرارد بيكيه، الذي قال والدموع تكسو عينيه، “عندما تقوم بالتصويت يمكن أن تقول نعم أو لا أو تترك ورقة الاستفتاء فارغة، لكنك تقوم بالتصويت في النهاية”. بيكيه أضاف أيضا “لقد عشنا لسنوات طويلة تحت النظام الدكتاتوري ولم يكن بإمكان الناس الاقتراع.. اليوم أشعر أكثر من أي وقت مضى بأنني كاتالوني وأنا فخور بالأشخاص الذين قاموا بالأمر بطريقة حضارية“.

المشهد الأقوى الذي سيسجله تاريخ انفصال كاتالونيا عن إسبانيا وسيظل محفورا في عقول الكاتالونيين قبل غيرهم هو مباراة برشلونة مع لاس بالماس والتي احتضنها ملعب “الكامب نو” يوم الاستفتاء، لكنها لعبت دون جمهور النادي العريق في إسبانيا. لأول مرة يخوض الفريق الإسباني مباراة دون جمهور. الإسباني بيب غوارديولا مدرب برشلونة السابق والمتحدر من الإقليم الكاتالوني قال “كان من المفترض تأجيل مباراة برشلونة يوم استفتاء إقليم كاتالونيا بسبب تدخل الشرطة الإسبانية وسعيها لمنع عملية التصويت“.

ورغم الفوز الذي حققه برشلونة على لاس بالماس بالثلاثة، إلا أن مشهدية ارتسمت على مدرجات ملعب “الكامب نو” وعبّر عنها جوسيب ماريا بارتوميو رئيس النادي بقراره إقامة اللقاء دون جمهور احتجاجا على تدخل الشرطة الإسبانية وسعيها لمنع السكان من التصويت في الاستفتاء.

غوارديولا، الذي لم يعد إسبانيا خالصا بحكم انتمائه للإقليم المنفصل، واصل التعبير عن استيائه من العنف ووقوع إصابات، بل إنه طالب بعدم إقامة المباراة أصلا الأحد. يقول المدرب الكاتالوني “أصيب أشخاص كثيرون في كاتالونيا لأنهم ذهبوا إلى المدارس للتصويت. الصورة لا تكذب. هناك أشخاص ذهبوا للتصويت لكنهم واجهوا العنف”. فيما دعت إدارة فريق برشلونة إلى عقد اجتماع استثنائي لبحث الوضع الرياضي والاجتماعي للنادي عقب الأحداث التي وقعت في إقليم كاتالونيا تزامنا مع إجراء الاستفتاء على الانفصال.

عالم كرة القدم في إسبانيا قدم أطوارا عديدة لصراع بين أقدام نجوم بارزين من الفريقين ريال مدريد وبرشلونة سيظل محفورا في عقول متابعيهم عبر العالم، فيما يبعث قرار الانفصال على التساؤل عن مستقبل اللعبة الأكثر شعبية في العالم. أي مصير سيلقى النادي بعد خروجه عن أقوى الدوريات في العالم، وأي حظوظ له بالمنافسة على الألقاب مستقبلا، وأي هاجس سيطبع نجومه بالتفكير في المستقبل، وأي مبرر ستقدمه إدارة النادي للاحتفاظ بنجومها؟ كلها أسئلة ستظل محيرة لإدارة الفريق قبل غيرها.

وفي مشهدية “ساخرة” ربما على ما يحصل في إقليم كاتالونيا يقر متابعون للشأن الرياضي بأن زملاء ميسي سيتحولون إلى المنافسة في البريميرليغ في قادم الأيام، لكن أيا كانت المنافسة في إنكلترا أو غيرها، فإنها حتما لن تكون بأجواء وشحنة الكلاسيكو الذي يجمع الناديين وينتقل إلى القلوب قبل العقول من مدرجات “الكامب نو” أو “سانتياغو برنابيو”.

كاتب من تونس

23