هل بقي للرئيس أبومازن ما يفعله

القيادة الفلسطينية مسؤولة عن الضعف في حال الفلسطينيين، ليس بسبب موازين القوى والمعطيات المحيطة التي ليست لصالحها، وإنما لأنها لم تفعل ما ينبغي عليها فعله في إعادة بناء البيت الفلسطيني.
الاثنين 2018/11/12
أزمة الفلسطينيين اليوم هي من النوع الشامل والعميق والخطير

في الإجابة على هذا السؤال، لا أريد المصادرة على المستقبل، لكن المثل الشعبي الفلسطيني يقول “لو بدها تشتّي غيّمت” مع ذلك يمكن مناقشة هذا الأمر بنوع من الواقعية والعقلانية، أي دون أفكار أو إسقاطات مسبقة، وعلى ضوء الخبرات التي تضمنتها التجربة الوطنية الفلسطينية، التي يزيد عمرها عن نصف قرن، وضمنها تجربة الرئيس محمود عباس ذاته في القيادة.

هكذا، مثلا، لا أحد يعرف إلى أين يسير الرئيس الفلسطيني، أو ما الذي ينتظره؟ أو إلى أين يأخذ الساحة الفلسطينية؟ وما هي التركة التي سيخلفها للفلسطينيين؟ لكن كل تلك الأسئلة تنطوي على فرضيتين: الأولى تفيد أنه مازال ثمة ما يمكن للرئيس أن يفعله، أي ثمة وقت وقدرة، وأوراق قوة وموارد ومعطيات عربية ودولية مواتية، علما أنها كلها أمور مشكوك بها.

والثانية أن الرئيس يريد أن يفعل شيئا لتغيير الواقع الفلسطيني، وأن هذا الشيء يتعلق بإعادة بناء البيت، بخاصة المنظمة والسلطة وفتح، التي تجتمع ثلاثتها تحت قيادته، وهذا أيضا، أمر مشكوك به، ذلك أن الرجل بات له في السلطة 14 عاما، أي أكثر من تلك الفترة التي قضاها سلفه ياسر عرفات في رئاسة السلطة، (مع التذكير أنه يقود حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 2005) دون أن يفعل شيئا يذكر لاستنهاض تلك الأطر، بل إن الكيانات المذكورة في عهده تراجعت كثيرا، وضعف نفوذها وتأثيرها إن في الصراع ضد عدوها، أو في مجتمعات الفلسطينيين في الداخل والخارج.

ثمة قضايا كثيرة ينبغي للقيادة الفلسطينية مواجهتها، وليس الحديث هنا عن تخصيص الرئيس سوى لأنه يجمع كل السلطات بيده، ولأنه ينتهج فعلا القيادة الفردية، البعيدة عن الأطر الشرعية ومؤسسات صنع القرار، التي تفتقد لها الساحة الفلسطينية أصلا. الأهم من كل ذلك أن الفترة التي قضاها أبومازن في القيادة، وطريقة ترتيبه للأوضاع في الكيانات المذكورة (المنظمة والسلطة وفتح) تفيد بأن الأمور خرجت حتى عن سيطرته، بسبب قوة الواقع، وقوة الطبقة السياسية التي نمّاها في عهده، والتي لن تسمح بأي شكل من الأشكال بتغيير الستاتيكو القائم.

وقد يجدر التذكير هنا بأننا نتحدث في وضع تحولت فيه حركة التحرر الوطني الفلسطيني إلى سلطة بكل معنى الكلمة، علما أنها مجرد سلطة تحت الاحتلال، أي على شعبها فقط، بمعنى أنها سلطة على السكان من دون الأرض والموارد، وبلا أي عنصر من عناصر السيادة باستثناء العلم والنشيد والحكومة والسفراء، كأننا إزاء سلطة تقوم على نوع من تقاسم وظيفي، حيث السلطة العليا هي لإسرائيل.

ليست ثمة مبالغة في القول إن أزمة الفلسطينيين اليوم هي من النوع الشامل والعميق والخطير، لأنها تطال كل شيء؛ الكيانات السياسية وأشكال العمل ووسائل الكفاح وكيفية صيانة وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني وتعيين الأهداف الممكنة المرحلة والمستقبلية، فكل تلك المسائل بحاجة إلى وقفة مراجعة وتقييم وإعادة صياغة أو إعادة بناء.

المقصود من كل ما تقدم توضيح أن الأزمة الفلسطينية اليوم لا تتعلق فقط، بكيفية مواجهة أو مقاومة إسرائيل وسياساتها الاستعمارية والعنصرية والاستيطانية، وسياسات الإلحاق الاقتصادي، والمعطيات الدولية المواتية لها، ولا بتلك التي تكشّفت عنها سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تهدف إلى تجزئة قضية الفلسطينيين وتصفيتها كل على حدة، وضمن ذلك تفكيك مفهوم الشعب الفلسطيني باختزاله بفلسطينيي الأرض المحتلة، مع التخفّف من قضية اللاجئين أو إزاحتها من جدول الأعمال. كما لا تتعلق فحسب بالتحولات الجارية في المشرق العربي، نتيجة الاضطرابات الدولتية والمجتمعية، وتغوّل التدخل الإيراني في المنطقة، سيما في العراق وسوريا ولبنان، والتي كشفت ظهر الفلسطينيين وأضعفتهم وحرمتهم عمقهم التاريخي.

والمعنى أنه إذا كانت مواجهة كل تلك المعطيات الإسرائيلية والعربية والإقليمية والدولية فوق طاقة الفلسطينيين على التحمل والمواجهة، فإن القيادة الفلسطينية كانت معنية على ضوء كل تلك التحولات والتعقيدات والمخاطر، بتركيز جهدها على إعادة بناء البيت الفلسطيني، أي تجديد الكيانات الفلسطينية وتعزيز فاعليتها، ما يتطلب إعادة بناء منظمة التحرير والسلطة والفصائل، واستعادة طابعها كحركة تحرر وطني، على حساب طابعها كسلطة، وليس العكس. كما أن ذلك كان يتطلب فك الارتباط الوظيفي والإداري بين المنظمة والسلطة، وإعادة النظر بعلاقاتها مع إسرائيل (الأمنية والإدارية والاقتصادية)، بحيث تتحدّد مهمتها بإدارة أحوال الفلسطينيين في الداخل وتعزيز صمودهم، بحيث تبقى المنظمة مصدر الشرعية والقيادة للسلطة وليس العكس.

الفكرة من كل ذلك أن تلك هي المهمة التي كان يفترض بالقيادة الفلسطينية أن تركز عليها، في السنوات العشر الماضية، سيما مع انسداد أفق قيام دولة فلسطينية، لأن إعادة بناء البيت الفلسطيني هي التي كان من شأنها أن تقوي موقف القيادة، إن في مواجهة سياسات إسرائيل اليوم، أو في مواجهة سياسات ترامب في ما يسمى “صفقة القرن”.

القيادة الفلسطينية لم تنجح لا في هذا ولا في ذاك، وهي مسؤولة عن هذا الضعف في حال الفلسطينيين، ليس بسبب موازين القوى والمعطيات المحيطة التي ليست لصالحها، وإنما لأنها لم تفعل ما ينبغي عليها فعله في إعادة بناء البيت الفلسطيني وتقويته وتعزيز مناعته.

8