هل بقي للعدالة والتنمية التركي من اسمه أي نصيب بعد عقدين من الحكم

ممارسات أردوغان وحزبه ومساعيهما لتغيير بنية الدولة ووجه البلاد تعجل بنهاية مرحلتهما في تركيا.
الأربعاء 2020/04/08
التلميذ انقلب حتى على أستاذه

أنقرة - ماذا بقي من حزب العدالة والتنمية الحاكم بعد قرابة عقدين من استلامه الحكم في تركيا؟ هل بقي له أيّ نصيب من اسمه أم أنّه تحوّل إلى النقيض ممّا كان يزعم طيلة هذه المدة؟

تمكّن الرئيس رجب طيب أردوغان من تطويع مؤسسات الحزب لمصلحته الشخصية، والانتقال من سلطة الحزب إلى سلطة الفرد، ليختصر الحزب في شخصه، ويفرغه من مضمونه، ويحوّله إلى حزب عائليّ وأداة لترسيخ دكتاتوريته، بحسب ما يلفت رفاق دربه القدامى ومؤسسو العدالة والتنمية الذين كانوا معه في بداياته، لكنّه أقصاهم وهمّشهم تباعا ليخلو له الجو، وينفرد بالسلطة.

استغلّ الحزب مفهوم العدالة التي تعرّف بأنها “العمل وفقا لمتطلبات القانون، سواء ارتكزت هذه القواعد على الإجماع البشري أو على المعايير الاجتماعية لخلق نوع من المساواة بين أفراد الشعب الواحد”، وتعرّف أيضا بأنّها مفهوم يركز على تحقيق التوازن بين جميع أفراد المُجتمع من حيث الحقوق والواجبات.

عمل الحزب على تطبيق عدالة منقوصة، خاصّة به، تقوم على تقسيم المجتمع التركي إلى مناصرين وخصوم. يحظى مناصروه بامتيازات كثيرة، في حين يحرم الآخرون، خصوما ومستقلّين، من أيّ امتيازات، بل يتمّ الضغط عليهم وظلمهم، ويكون انعدام العدالة معهم مثالا سلطويا بعيدا عن أسس العدالة، وبعيدا عن المساواة المفترضة التي يدّعي أنّه يدافع عنها ويؤسس لها.

سلسلة الانشقاقات تؤكّد أنّ الحزب الذي ادّعى مبادئ العدالة والحرية وحقوق الإنسان والانفتاح ابتعد عن مساره

وفي حين تعرّف التنمية بأنها تعني ارتقاء المجتمع والانتقال به إلى وضع أفضل، وهي “عبارة عن تحقيق زيادة سريعة تراكميّة ودائمة عبر فترة من الزمن في الإنتاج والخدمات نتيجة استخدام الجهود العلميّة لتنظيم الأنشطة المشتركة الحكوميّة والشعبية”، اقتصرت التنمية على القاعدة الاجتماعية الشعبية للحزب، وتم إقصاء الآخرين عن سياقها، حيث كانت كالعدالة المفترضة، مبتورة بدورها، وانتقائية مبنية على أسس دعائية وانتخابية.

وظّف حزب العدالة والتنمية المفهومين من أجل تحقيق أهدافه المتمثلة بالوصول إلى السلطة والهيمنة عليها، واستخدام مختلف السبل للتنكيل بالخصوم، والتفرّد شيئا فشيئا بالحكم وتأسيس دولة الحزب الواحد والزعيم الأوحد.

فقد الحزب الحاكم حاضنته الشعبية وخسر قرابة مليون من أعضائه الذين انفضّوا عنه جراء سياسات زعيمه التي وصفت بالفاشلة. وبات يعرف بحزب أردوغان أكثر من كونه حزبا لشرائح مختلفة من المجتمع التركي.

وكان حزب العدالة والتنمية تلقّى في أيامه الأولى مساعدة من حركة فتح الله غولن التي مكنه دعمها، إلى جانب دعم الشخصيات العامة الليبرالية، من أن يعد حزبا إسلاميا معتدلا في تركيا وفي أرجاء العالم. وكان أتباع حركة غولن متغلغلين في مؤسسات الدولة قبل أن يستلم العدالة والتنمية السلطة بوقت طويل، وساعدوا أعضاءه على القبض على مفاصل الدولة، وكان تحالفهما المرحليّ ناجما عن وجود عدوّ مشترك وهو العسكر.

أصبح تقييد الوجود العسكري في السياسة واحدا من التعهدات الرئيسية للعدالة والتنمية الذي حاول أن يختلق توليفة بين الإسلام السياسي وأيديولوجيا يمين الوسط لكنه أخفق، وانقلب على حليفه السابق غولن واتّهمه بالتدبير لمحاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يونيو 2016، بعد أن تمكّن من توطيد سلطته وأحكم قبضته على البلاد.

وجاءت سلسلة الانشقاقات لتؤكّد أنّ الحزب الذي ادّعى مبادئ العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والانفتاح الاقتصادي، ابتعد عن مساره، حيث انشقّ عنه قادة كبار أسّسوا مؤخّرا أحزابهم التي تنافس العدالة والتنمية، وتأخذ من قاعدته الجماهيرية، كحزب المستقبل لرئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو، وحزب الديمقراطية والتقدم (ديفا) لوزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان الذي كان يعرف بأنّه مهندس التنمية الاقتصادية في البلاد، ومخطّط سياسات العدالة والتنمية الاقتصادية.

بعد أن فقد الكثير من رصيده، توجّه العدالة والتنمية للارتماء في أحضان اليمين المتطرف، وأنشأ ائتلافا حكوميا بعد انتخابات 2015 مع حزب الحركة القومية اليميني المتشدّد الذي سرّع بنزع أقنعة العدالة والتنمية عن حزب أردوغان، وإظهار حقيقته الساعية إلى الاستحواذ على السلطة بأيّ ثمن، بعيدا عن الشعارات والمبادئ التي تأسّس عليها أو انطلق منها.

بالعودة إلى الجذور الأولى لحزب العدالة والتنمية يمكن تلمّس خطواته واستراتيجياته من أجل الوصول إلى السلطة منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، حين اتّخذ الموقف المتساهل من الإسلام السياسي اتجاها معاكسا، وبرز اسم نجم الدين أربكان (1926 – 2011) وحزبه الرفاه في 1995 الذي شكّل بعد فوزه بالانتخابات تحالفا مع حزب الطريق القويم من يمين الوسط، وكان الرئيس المشترك للحكومة عندما أطاح به العسكريون في الـ28 من فبراير 1998 بذريعة جدول أعماله الإسلامي المفترض. أحدث الانقلاب تغييرا في الحكومة من دون استيلاء الجيش على السلطة، ولهذا السبب يشار إلى هذا الانقلاب بوصفه انقلابا ما بعد حداثي.

Thumbnail

انبثق رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية من حركة الرؤية الوطنية التابعة لأربكان واكتسب زخما بوصفه ردّ فعل على انقلاب الـ28 من فبراير. وكان رأي مؤسسي العدالة والتنمية من رأي أربكان وحركته الرؤية الوطنية، بأن عليهم تحديث أنفسهم كي يفوزوا في الانتخابات. حاولوا الدفاع عن إسلام سياسي جديد أكثر شعبوية. حصل العدالة والتنمية بعد تأسيسه في 2001 بقيادة أردوغان على غالبية مقاعد البرلمان في 2002، مستهلا مدة حزب الواحد التي ستدوم أكثر من عقد من الزمن. وذلك بحسب الأكاديمية التركية إزغي باشاران في كتابها “تركيا والنزاع على الشرق الأوسط”.

ومن اللافت أنّ خطاب حزب العدالة والتنمية، لم يكن إسلاميا بداية، إذ أنّه وضع نفسه على مسار يمين الوسط. ادّعى نوابه أنهم خلعوا ثوب الرؤية الوطنية الذي يربطهم بأربكان. وقال أردوغان في خطاب ألقاه عام 2004 بأّنه لم يكن “إسلاميا، بل ديمقراطي محافظ يؤمن بعلمانية الدولة”.

وبحسب باشاران، لم يفرض حزب العدالة والتنمية جدول أعمال مؤسلما إلا بعد ولايته الثالثة 2011، بل تعهّد عوضا عن ذلك بمتابعة الاستقرار الاقتصادي والنمو، ما أحدث صدى حسنا لدى الجمهور ووطد دائرته الانتخابية من محافظي يمين الوسط، أتراكا وأكرادا. واتهم الكماليون حزب العدالة والتنمية بإخفاء جدول أعماله الإسلامي، وانتقدته شخصيات نافذة في الإسلام السياسي الشعبي، كتلاميذ أربكان، لأنّه لم يكن إسلاميا كفاية بسبب رفضه لجذوره، ومن وجهة نظرهم، شكّل العدالة والتنمية أولئك الذين اخترقهم انقلاب الـ28 من فبراير وسلخهم عن خلفيتهم الإسلامية.

وخلافا لأربكان الذي كان على خلاف دائم مع الدولة والجيش، كانت المجموعة التي أسست العدالة والتنمية تميل أكثر إلى أن تكون جزءا من النظام عوضا عن محاربته. وبعد أن فتح الرئيس السابق تورغوت أوزال أبواب السلطة أمام الجماعات الدينية وشرع في إصلاحات اقتصادية، ازداد ثراء الإسلاميين من مراكمة رؤوس الأموال التي استثمروها في التعليم ووسائل الإعلام، محدثين رأس مال ثقافيا إسلاميا مهّد الدرب أمام تأسيس العدالة والتنمية.

لكن على الرغم من ممارسات أردوغان وحزبه ومساعيهما لتغيير بنية الدولة ووجه البلاد، سواء بالانقلاب على الحلفاء والرفاق والخصوم، أو باختلاق الذرائع للتملّص من المسؤوليات، فإنّ مرحلتهما تكاد توشك على النهاية، بحسب ما يؤكّد معارضون أتراك، وبات الأمر مسألة وقت لا أكثر، لأنّ الفشل الذي تمّ تعميمه على مختلف مؤسسات الدولة وقطاعات الاقتصاد ومناحي البلاد، لا بدّ أن ينقلب على صانعيه، وأن يدفع بالأتراك للعودة إلى نظام ديمقراطي يكفل لهم عدالة اجتماعية وتنمية حقيقية، بعيدا عن الشعارات التي تساهم في التضليل وشراء الوقت وترقيع الأزمات بدلا من معالجتها بشكل جذريّ وعلمي.

6