هل بمقدور شعب الإنترنت محاسبة حكومته؟

الأحد 2013/09/22
الإنترنت جعلت العالم أكثر ديمقراطية

عندما وقف قبل ثلاثة أعوام على منصة قمة الإعلام الأولى في أبوظبى، مارس أريك شميدت دورا أدائيا يتناسب مع مهمته في إدارة محرك البحث العملاق غوغل.

كان أكثر من واثق وأبعد من مجرد مخطط بثقة لمستقبل المحرك الذي وضع المعلومة عند أطراف الأصابع، أثار تفاعل الجمهور معه، وجلّه من الإعلاميين الباحثين عما هو خلف الخبر.

أتذكر وهو يغادر منصة الإلقاء، ويتحرك بحرية أمام الجمهور ويصف الثورة التكنولوجية بـ"السحر"، لم يحتر، أمام سؤال من أحد الحاضرين حول مصير الكم الهائل من المعلومات المتدفقة على غوغل، بقوله "إنها تحفظ بالسيرفرات"!. ما أيسر الإجابة على سؤال هائل بحجم المعلومات المخزونة في خوادم المحرك، عندما أجاب على سؤال "أين تذهب هذه المعلومات؟" بتأكيده أمام الحاضرين في الدورة الأولى لقمة الإعلام في أبوظبي أن كمّها الهائل لا يخيفه لأن المستقبل يتكيف مع الطبيعة التكنولوجية.

منذ التحاقه بالعمل في غوغل عام 2001، وأريك شميدت يحرك ويتحرك بنسق مع تصاعد دور الموقع الذي يصنع الحياة التكنولوجية في العالم، ولم يخفت دوره بعد أن ترك منصب المدير التنفيذي عام 2011 إلى أحد المؤسسين وهو لاري بايج.

شميدت الذي جمع ثروة مالية تقدر بمليار دولار من العمل في قطاع التكنولوجيا، متفائل بمستقبل الإعلام وشبكة الإنترنت، ويرى أن تأثيرها سيكون أكثر عمقاً مما يمكن أن نتصوره الآن.

مرة خاطب الجمهور المتشوق لسماعه في أمسية بمتحف العلوم في العاصمة لندن، بتساؤل يشبه الأمنية التي ستتحقق في يوم ليس بالبعيد جدا "لكم أن تتخيلوا كم سيكون العالم أفضل عندما يصل (شعب الإنترنت) إلى رقم 5 وأمامه تسعة أصفار! هذا يعني المزيد من الابتكار، المزيد من الإبداع، المزيد من الفرص". وقال "إذا كان العقد الماضي قد علمنا شيئا، فهو أن ربط الناس مع المعلومات من شأنه أن يغير العالم".

فلا حواجز أمام خيالنا أو عواطفنا عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا التي يتفاعل معها غوغل، لأن شبكة الإنترنت جعلت من العالم أكثر ديمقراطية عبر المزيد من الانفتاح والتواصل بين البشر.


شميدت للعرب: أكتبوا


ويبدو أن تصريحات شميدت وإنجازاته مع غوغل، أفضل من يرسم صورة عنه، مع أنه اعترف بقوله "إننا ننتج كمّا من المعلومات أكثر ممّا نحتاجه"، لكنه وضع الحل أمام العالم العربي حول معضلة تدفق المعلومات عند زيارته لأبوظبي بقوله "أكتبوا"!.

وقارن بين ما عرفناه منذ سنوات قليلة مضت وصولاً إلى تصفح صفحات الإنترنت واستخدام خدماته من خلال الهواتف المحمولة التي تسجل "أرقاما مخيفة في الاستخدام في الشرق الأوسط".

يكفي تخيل أن العاملين في غوغل يدخلون يومياً ترجمة لـ 160 مليون صفحة، وقد بات متاحاً ترجمة النصوص رقمياً من خلال مترجم يتيح للجميع فهم كلمات أية لغة أينما كانوا في العالم بواسطة الهاتف الذكي. وعندما أراد لفت الانتباه إلى التصاعد التكنولوجي في الشرق الأوسط، اختار الإمارات كأنموذج متطور بقوله "في هذا البلد الخليجي أكثر من 100 في المائة من السكان يستخدمون الهاتف الذكي، وفي شرق أوروبا يصل استخدامه إلى نسبة 130 في المائة". حينها وصف قمة أبو ظبي للإعلام، بـ "قمة السحر"، وقال إن أبوظبي تعد مثالا رائعا للقيادة في المنطقة في عالم الإعلام والإنترنت.

وحماس هذا الرجل لم يمنعه من الإشارة إلى التأثير السلبي للمبالغين في الجلوس إلى الإنترنت وغالبيتهم ممن هم تحت الرابعة عشرة من عمرهم، عندما عبر عن قلقه من تأثير الإنترنت بشكل سلبي على الذين يمضون الكثير من وقتهم في تصفحه ولا يقومون بمهام متعددة في الوقت ذاته، إنما أكد على ما ذكره من إيجابيات وفوائد، قائلاً "لأن من أهم أهدافنا التواصل مع بعضنا البعض وهذا ما نحققه ".


دولة غوغل


مع أن الرئيس التنفيذي لمحرك البحث العملاق يرى "أن غوغل يسير في الطريق الصحيح"، إلا أنه لا ينافس الحكومات، وليس من مهامه السيطرة على العالم.

إعادة تشكيل مستقبل الناس والأمم والأعمال
هذا الكتاب محل اهتمام متواصل منذ صدوره قبل أشهر لأنه يحمل من التحذيرات أكثر مما يعرض لأفكار متداولة. فكتاب "العصر الرقمي الجديد: إعادة تشكيل مستقبل الناس والأمم والأعمال" الذي ألفه أريك شميدت بالاشتراك مع جاريد كوهين مدير التخطيط في غوغل، يحذر من انحراف العصر الرقمي وخشية أن يدار بلا قيادة مسؤولة.

ويرى المؤلفان أن الفوضى ستعم العالم وتدمر العلاقات بين الدول والشركات، إن لم توجد قيادة مسؤولة وقوانين تلزم التعامل عبر العصر الرقمي.

والمخاطر المرافقة لشبكة الإنترنت باعتبارها أكبر تجربة تنطوي على تغيير التاريخ، قد تودي بالعلاقات القائمة بين الدول والشعوب.

وحذرا من دخول المتطرفيــــن على تحديد صيغ الشبكة العالميـــــة وأنظمتها وبناء الشبكات غير المشروعـــة، وما قد يتسببـــان فيه من حرب إلكترونيـــة عالميـــة في عصر يدار كليا بالأنظمـــة الرقمية. وطالبا دول العالم بتوثيق علاقاتها مع محرك البحث "غوغل" من أجل مستقبلها ومصالحها الأمنية.

ويشرح الكتاب كيفية قيام التقنيات الحديثة على تغيير الطريقة التي نعيش بها، وليس محكوما علينا الخضوع إليها في إدارة شؤون حياتنا وأعمالنا. فثورة المعلومات ستجرد الناس من سيطرتهم على معلوماتهم الشخصية في الفضاء الافتراضي، والتي سيكون لها عواقب كبيرة في العالم المادي.

التكنولوجيا محايدة، والإنسان هو من يستخدمها لأغراض جيدة أو سيئة، ويمكن أن تكون لها عواقب مؤذية.

وعبرا الكاتبان بصفتهما يشتركان في صنع قرار محرك البحث العملاق عن عدم خشيتهما من مساهمة غوغل في حل المشكلات الأمنية العالمية المستعصية على الدول والحكومات.

ويشبه أريك شميدت تفوق المواقع الإلكترونية على وسائل الإعلام الأخرى التقليدية كالتلفزيون والصحف المطبوعة عبر قوله "ببساطة، الشبكة ربطت العالم لإطلاق سراح العالم!" في إشارة لشبكة الإنترنت. وقال إن الإنترنت لن تخلو بأي حال من الأحوال من المتطرفين كمن يود استخدام سيارة من دون سائق ولا يفكر بالعواقب، وسنبقى نواجه مشكلة التمييز بدقة بين الحقيقة والتضليل.

لقد تحول غوغل إلى دولة هي أقوى بكثير من العديد من الدول، إلا أن الإدارة لا تفكر بتحويله إلى دولة افتراضية ولا تريد ذلك، كي لا تقع في نفس المشاكل المعقدة التي تعيشها الدول الواقعية حاليا.

شميدت يركز على أهمية وجود اليد البشرية التوجيهية في إدارة الدولة الافتراضية الرقمية، في استعارة وصفت بالذكية مما قاله عالم الاقتصاد آدم سميث قبل قرون حول الأسواق الحرة والدور المناسب للدولة في تنظيم الاقتصاد.

بينما تتواصل المعركة بين مجتمع الإنترنت والحكومات التي تقرر ما تفعله حسب مصالحها، وليس بمقدور غوغل إجبارها على فعل ما يراه حسب شميدت.

لكن ثمة تساؤلات عن كيف أصبح "غوغل" بمثابة دولة رقمية قائمة وبلا حدود، وهل يخضع محرك البحث العملاق للمساءلة من شعبه المكون من مليارات المستخدمين.

عندما سئل أريك شميدت عن إمكانية إزالة المواقع المتطرفة أو المتعاطفة مع التنظيمات المتشددة من محرك البحث غوغل، أثناء مشاركته في مهرجان "هاي" الأدبي، قال "إن وظيفة غوغل فهرسة كل ما ينشر على الإنترنت بغض النظر عن طبيعته، ولا يمكنه تحديد ما هو صالح وما هو شرير من الوهلة الأولى".

وذهب إلى القول إن بعض المتطرفين قد يكشفون عن نشاطهم من خلال الإنترنت لأنهم ليسوا من الذكاء بما يكفي، الأمر الذي يساعد السلطات الأمنية في الحد منها.

استنتاج شميدت حول المواقع الإسلامية المتطرفة، يعيدنا إلى إشارته إلى "الإنترنت الحلال" الذي أعلنته إيران بقوله "إن الدول التي تبني أسس الإنترنت لديها على الحجب ستعمل بأقصى ما في وسعها لإيقاف أي تيار ضدها، سيقومون بإجراءات عديدة مثل تقييد حرية الكلام وتقييد حرية الاجتماعات، لكنهم سيجدون أنه من المستحيل أن يفعلوا ذلك على النحو الشامل الذي يريدونه".

جملة "غوغل يسير بالاتجاه الصحيح" تتجسد بامتياز في موقع "يوتيوب" الذي يزوره نحو مليار شخص شهريا، الأمر الذي يظهر تأثير محرك البحث العملاق بعد أن اشترى الموقع المتخصص ببث الأفلام، عام 2006 مقابل 1.65 مليار دولار، وبعد سنة من إطلاقه.

شميدت يرى في "يوتيوب" منصة جديدة في العالم الرقمي المعاصر، وليس بديلا عن التلفزيون، "يوتيوب ليس بديلا لشيء بل موجود بالفعل، ويسعى لبناء منصات جديدة".

ورقم مليار زائر شهريا لا يمثل طموح أريك شميدت، ولا يرى فيه رقما كبيرا بقوله "إذا اعتقدتم أن هذا الرقم كبير، انتظروا حتى نصل إلى 6 أو 7 مليار زائر شهريا". وسائل إعلام بريطانية تصف قول شميدت بالمتفائلة أكثر مما ينبغي بسبب تخلف عدد مستخدمي موقع يوتيوب بنسبة كبيرة عن مشاهدي التلفزيون.

إدارة الموقع الذي أصبح جزءا من محرك البحث العملاق "غوغل" عام 2006 تقول إن ما يقارب نصف مستخدمي الإنترنت في العالم يتصفحون "يوتيوب" الذي يحقق نجاحا عالميا كبيرا منذ إطلاقه في العام 2005.

وتصف إدارة "يوتيوب" الموقع بثالث أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين والهند، الأمر الذي يجعله في مقدمة الوسائل الإعلامية الأكثر تأثيرا اليوم.

وفتح ربط يوتيوب مع الخيارات البحثية المتاحة في محرك البحث غوغل قناة إعلانية مربحة، حيث يتم تصفح أكثر من 4 مليار ساعة من أفلام الفيديو شهريا، وتحميل 72 ساعة فيديوية كل دقيقة.


علاقة غوغل مع الصحافة


علاقة غوغل مع وسائل الإعلام ليست طيبة في كل الأحوال، فغالبيتها تتهمه بالاحتكار وتطالبه بدفع رسوم على الأرباح الطائلة التي يجنيها من خلال الإحالة إلى صحف أو مجلات.

وتطالب المفوضية الأوروبية شركة غوغل بعلاج الممارسات المناهضة لحرية المنافسة كإعطاء الروابط الخاصة بها أولوية في الظهور على صفحات نتائج البحث، ونسخ محتويات المواقع المنافسة وعرض إعلانات على نتائج البحث ومنح أولوية لخدمة الإعلانات الخاصة.

وهذا ما دفع أريك شميدت إلى توقيع اتفاق مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند مؤخرا، يبعد عنه تهمة الاحتكار عبر زيادة عائدات الإعلانات الإلكترونية للناشرين الفرنسيين وإنشاء صندوق بقيمة ستين مليار يورو لتمويل بحوث تطوير النشر الرقمي الفرنسي.

وأعطى الاتفاق وكالات الأنباء الفرنسية والناشرين منصات إعلانية عبر الإنترنت يسهم محرك البحث في تقديمها للمستخدمين. إزاء ذلك اتهم مات وارمان المحرر التكنولوجي في صحيفة "تيلغراف" البريطانية شميدت بالترويج لغوغل لكسب المزيد من المال. إلا أن حجة شميدت، على أية حال، هي أن شبكة الإنترنت، عموما، قوة لا تلين من أجل الخير في عالم الاتصال.

18