هل بوسع إيران أن تشعل المنطقة دون أن تحرق أصابعها

الجمعة 2015/01/23

سيطر الحوثيون على العاصمة اليمنية، فاعتبر أحد غلاة الممانعة في لبنان أن الرد الإيراني قد بدأ. احتلت عناوين الحرب الإيرانية القادمة والمزلزلة ضد إسرائيل صحف الممانعة اللبنانية التي بدت كذلك مبتهجة بسيطرة الحوثيين على صنعاء. بات واضحا إذن أن تلك العاصفة المدمّرة التي تهدد إيران إسرائيل بها، لن تكون، بأي شكل من الأشكال، مواجهة إيرانية إسرائيلية مباشرة، بل ستكون حرباً عبر الأذرع الإيرانية في المنطقة تهدف إلى تحريك وضع بات راكدا، أو بات التوصل إلى انفراجات جدية فيه يساوي عدم التوصل إلى اتفاق. وهذا ما يريده باراك أوباما تماما، لذا وردت أنباء تفيد عن سعيه لتسريع التوصل إلى اتفاق مع إيران في حدود شهر آذار القادم.

طبيعة الاتفاق المنتظر كما يؤكد العديد من الباحثين، لن تصب في مصلحة إيران التي فقدت مؤخرا جزءا كبيرا من قدرتها على الابتزاز، المستمدة من ملحقاتها العسكرية والأيديولوجية المزروعة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

كذلك تشير أخبار نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن الإدارة الأميركية قد غيّرت وجهة نظرها في ما يتعلق بطبيعة الحل في سوريا، بحيث تحوّل الحديث من ضرورة رحيل بشار الأسد كمقدمة لأي حل سياسي، إلى وجهة نظر تعتبر أن البديل عن رحيل الأسد لن يكون سوى الفوضى والتفكك في ظل سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على أكثر من نصف مساحة البلاد. لا يجب أن ننسى كذلك أن طائرات التحالف العربي والدولي تعمل في الأجواء نفسها التي يعمل فيها طيران الأسد، الذي لازال يقصف المناطق الخارجة عن سيطرته بالبراميل المتفجّرة في ظل تحييد النظام وعدم اعتباره أحد أهداف الحرب على الإرهاب.

من ناحية أخرى يعمل خصوم إيران بطريقة الحرب السلبية، إذا صح التعبير، وهي تعتمد على تشجيع إيران على المزيد من التورط في بقع جغرافية متعددة في ظل حرب نفطية تهدد بإفلاسها. هكذا لم يستثر خبر سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية ردة فعل عسكرية من قبل السعودية وهي الجار الأقرب، ولم يعقد اجتماع لدول مجلس التعاون المعنية مباشرة بالأمر أمنيا وسياسيا للمطالبة بتدخل درع الجزيرة، بل تُركت إيران تلهو في الملعب اليمني وحدها دون مقاومة تذكر.

السبب في هذا السلوك الذي يعده البعض انكفاء وتراجعا لا بل جبنا عائدا إلى أن إيران فتحت على نفسها بابا جديدا، يتطلب منها ضخ الأموال والمساعدات والسلاح، ويرتب عليها أعباء أمنية وعسكرية واستخباراتية مكلفة على جميع المستويات. هذا الأمر من شأنه أن يزيد من إنهاكها، ويسرّع من وتيرة إفلاسها التي باتت وشيكة، لدرجة أن روحاني الرئيس المعتدل قد خرج عن طوره وبادر إلى الهجوم على الحرب النفطية المقصودة ضد بلاده، وأعلن وجوب البحث في إمكانية قبول إيران للاستثمارات الأجنبية، وهو أمر كان من المستحيل وضعه في التداول سابقا بأي شكل من الأشكال.

من هنا يبدو أن إيران لا تملك بابا يتيح لها تحريك الوضع القائم، الذي لا يصب جموده سوى في مصلحة تمكين استنزافها، إلا بممارسة لعبة تفجير واسعة تعلم أنه لا يمكن التحكم في مساراتها ونهاياتها، ولكن لا مشكلة لديها طالما أن الحريق الناتج عنها لن يطالها مباشرة. لا تجد إيران مانعا في أن تعمد إلى تحريك الحوثيين في اليمن، وحماس في غزة، وحزب الله بفروعه اللبنانية والسورية والعراقية لتصميم انفجار ما، يبدو أنه يترجم في هذه اللحظة مصلحة إسرائيلية وإيرانية ملحة، في حين أن الإدارة الأميركية والسعودية وتركيا يريدون تجنبّه.

إسرائيل تحتاج إلى إعادة بناء عناصر ثقة الناخب الإسرائيلي بقدرة جيشه على الردع، وإيران تحتاج إلى أوراق تفاوضية تستطيع وضعها على طاولة التفاوض مع الغرب كي يكون الاتفاق معها أكثر من مجرد إطالة زمان احتضار واقع لا محالة، ولكن إعادة إحياء لمشروعها والاعتراف بها كدولة أساسية في المنطقة على حساب تركيا وإسرائيل والسعودية.

إيران ترى أن طموحاتها لا يمكن أن تنجز إلا عبر خلط الأوراق بعد حرب مدمّرة، لا يستطيع أحد أي طرف فيها تحقيق انتصار واضح ونهائي.

إيران تريد تحسين أوراقها التفاوضية عبر جثث اللبنانيين والسوريين والعراقيين واليمنيين، فهل ستنجح في ذلك؟ وهل ستستطيع تجنب أن يكون الرد عليها في الداخل الإيراني، أو عبر إسقاط سريع للأسد يستتبعه تفكيك سريع لحزب الله اللبناني والسوري؟ وهل لا زالت تملك الوصاية الكاملة على حماس في ظل التفاهم العربي مع قطر والذي حيّد كل المنتمين إلى تيار الإخوان المسلمين وأبعدهم عن الانخراط المباشر في المشاريع الإيرانية؟ هل ستستطيع إيران أن تلعب بالنار دون أن تحرق أصابعها؟


كاتب لبناني

9