هل بوسع لوحة أن تضاهي الأهوال؟

الأحد 2016/03/27
اللوحة شهادة على عصر

بعيداَ عن الرّسم يجد نفسه بقلمٍ أو بآلةٍ موسيقية.. يؤمن بوجود حالات لا يستطيع اللّون أو الخط الإمساك بها أو ترجمتها.. هي تلك الحالات الإنسانية غامضة المنشأ واللّون التي يصعب فك شفرتها.. وتعود للوجدان كما ابتدأت.. غريبة.. منفية.. مجهولة. عن انعكاس بعض تلك الانفعالات على القماش الأبيض لتبتدئ سيرة الفن التشكيلي.. كان للعرب هذا الحوار مع الفنان التشكيلي السوري المقيم في ألمانيا نهاد كولي.

عن الطفولة والبدايات والبيئة المكانيّة الأولى، والسّر الذي أغرى ريشة نهاد وأوقعه في غواية الألوان، يقول “تعود بي الذّاكرة إلى أيّام الطّفولة في أقصى شمال غرب سوريا (عفرين).. تعود ذاكرتي اللّونية إلى السّهول الممتدة لوناً وضوءًا.. تعود إلى عواءِ الذّئاب على تخومِ أمانوس حيث كان كلّ شيءٍ عفويّاً وبريئاً في طبيعة ريفيّة عذبة. والمساء كان غنيّاً حول مواقد النّار، حيث رائحة احتراق خشب الزيتون، وبريق الضّوء الخافت في عيون جدّتي الحزينة دوماً وهي تروي لنا أساطير أسلافها بين الخيال والواقع، عدا عن حياكة البسط الكرديّة المزركشة بألوان قزحيّة وأغاني الفلّاحات في حقل الحصاد تحت ظهيرة شمس الشّمال”.

يضيف كولي مستذكرا أصدقاء المكان وشركاء المشهد البصري الأوّل والبيئة الحاضنة الأولى “.. هناك أيضا في تلك البيئة وتلك الجغرافية عاش وترعرع الفنان الرّاحل فاتح المدرّس وانطلق منها عندما رسم لوحة ‘كفرجنة’ التي أخذت الجائزة الأولى في أميركا، والفنان علي فرزات أيضا عاش طفولته وشبابه فيها، كل هذا شكّل لي مخزوناً بصريّاً وسمعيّاً هائلاً افتقدته في المدن الكُبرى كحلب ودمشق .هناك في الرّيف الحاضنة الأولى، واللّون الأوّل، والضّوء الأوّل بدأتُ أولى خطوط الرّسم على التّراب وتشكيل مجسماتٍ من طين أثناء هطولِ المطر”.

دائماً وقبل البدء بأي لوحة ينتابني ذاك القلق عندما أفكر بماذا ستفعل هذه اللوحة أمام طفل يذبح أو أمام صبية تغتصب أمام ذويها، أمام طوابير الموت، وقوافل الغرق، والكثير الكثير من الوجع

عن حلب وعفرين والذّاكرة التي تتّسع إلى تلك الأمكنة.. ماذا تركت بنهاد الفنان والإنسان؟.. يجيب “حلب كانت الصّدمة الأولى لطفلٍ لا يجيد غير لغته الأم (اللغة الكردية)، كان عالماً مجهولاً ومريباً بالنسبة إليّ، حينما كنت أَشهد ضرب التلاميذ في المدرسة عندما لا يعرفون الإجابة، وتعامل الطّلاب العرب معي ورؤيتهم المشبعة بالعنصريّة والكراهية. آسف لقول ذلك ولكنّها ذاكرةُ طفلٍ في مدينة غريبة، كلّ هذا شكّل عندي ذاكرةً حزينةً مؤلمةً ومعتمة”.

يضيف “فيما بعد تحسّنت الصّورة رويداً رويداً، عندما تعرّفت على فنون ِحلب وعراقة تاريخها وفنّانيها، أذكر كيف كنّا نمرّ من أمام مقهى القصر في شارع بارون، كان صديق يشير بيده ذاك هو الفنان لؤي كيّالي وبجانبه فاتح المدرّس ونوري اسكندر وغيرهم ، فيما بعد أصبحنا من روّاد ذاك المقهى الذي كان يرتاده كلّ مثقفي حلب وفنّانيها”.

نهاد كولي من الفنانين السوريين الذين انتقلوا إلى بيروت بسبب الحرب.. ومن ثمّ انتقل للعيش في ألمانيا..عن الارتباط بالأمكنة والتعلّق بها وغزو المكان لذاكرة الفنان يقول نهاد كولي “كل ُّمكانٍ له خصوصيّته ولونه وروحه الخاصّة به، فحلب غيرُ دمشق، ودمشق غيرُ بيروتٍ، و بيروت غير ألمانيا وهكذا، لكلٍّ منها هواؤه الخاص ورئته الخاصّة وأزرقه الخاص و أخضره الخاص”.. لست من الذين يرتبطون بالأمكنة، تغيير الأمكنة بالنّسبة إليّ شكّل خصوبةً روحيّةً وبصريَة في اللّون والخط، كلّ مكانٍ أضاف روحه في اللّوحة، لا أحبّ السّكون وكأنّه عدوّي والرّوتين كربونٌ مميت”.

الألوان ملهمة التشكيلي، وأداته لتشكيل لوحته

تخيّلت مع نهاد تلك اللّوحة التي تحمل اسم سوريا وطلبت منه البوح عنها وإن كانت ستجد متّسعا لغير اللّون الأحمر، فوصفها قائلاً “بالتّأكيد ستكون مؤلمةً وحزينةً، عندما أفكّر بلوحة سوريا الأحمر سيكون أكثرَ قدرة على التّعبير من غيره، والرّمادي أيضاً لأنّه لون الموت والخراب والدّمار. ولكن دائماً وقبل البدء بأيّ لوحة ينتابني ذاك القلق عندما أفكّر بماذا ستفعل هذه اللوحة أمام طفلٍ يُذبح أو أمام صبيّة تُغتصب أمام ذويها، أمام طوابير الموت، وقوافل الغرق، والكثير الكثير من الوجع، في مواجهة هذا كلّه ماذا بوسع لوحةٍ أن تفعل؟!”.

طلبتُ من ضيفي أن يضعنا في الأجواء الأولى لمخاض اللّوحة فقال “هي حالة تشبه السّماء قبل المطر، حالة جحيميّة مبهمة، لا عقل لها، كجنون عاصفة. تبدأ بتأمّلٍ عميق للسّطح الأبيض مع خربشاتٍ وخربشاتٍ غيرمفهومة، ومن ثمّ تبدأ بالبناء والهدم، والبناء والهدم حتى يتّضح الشّكل ويصبح قريباً ممّا كنت أختزنه بصريّاً في الذاكرة”.

الألوان ملهمة التشكيلي، وأداته لتشكيل لوحته، عن علاقة نهاد بها وتماهيه معها تحدّث “لا يوجد لونٌ بشع ولونٌ جميل، كلّ لونٍ يأخذُ قيمته الجماليَة من اللّون الذي يجاوره، أحبّ كلّ الألوان، والحالة قبل الرّسم هي التي تحدّد اللّون غالباً، فالإنسان بطبيعته يتلوّن دون أن يدري. أحيانا أشعر بأنّني رمادي، وأحياناً أخضر أو أحمر وهكذا، كما حالة الحزن والفرح، الوجود والعدم كل هذه الحالات أراها ألوانا”.

عن الإلهام لممارسة فعل الفن والرّسم والإبداع يقول نهاد كولي “الإلهام بالنسبة إليّ لحظةٌ مجهولة لا أستطيع تحديدها، ولا أستطيع الإمساك بها، هي حالة غامضة الملامح ومبهمة. ولا أعتقد أنّ هناك حلولاً أو صوراً ستهبط هكذا من السماء، لست من ينتظر هطول الصور والحلول لأن عملية الإبداع هي في النهاية تحصيل حاصل من الثقافة والمعرفة والرؤية العميقة للأشكال والصور في الحياة. الفنان يرى كل ما يحصل وهو شاهدٌ على عصره، يختزن كلَ الأشكال والصور، ومن ثم تبدأ عملية الإبداع بمعنى كيف سيعيد بناءها من جديد وبفهم تشكيلي معاصر والقلق مستمر تجاه كل هذه الأحداث”.

مسحة من الحزن في بعض اللوحات

عن المرأة والجمال والأنوثة وكيف تترك الأنثى عطرها بين لوحات نهاد كولي يعلّق “الجمال يثيرُني أينما وجد، يحرّك ألوانا جديدة في عروقي، والجمال دائما يسبب لي قلقاً عميقاً وما تتركه امرأة جميلة غير ما تتركه مقطوعة موسيقية جميلة، أو وردة جميلة، لولا المرأة لما كان هناك إبداع في الوجود فهي عبر العصور نبع عطاء وخصوبة أبدية”.

تأمّلت لوحات ضيفي فوجدتها تروح بالنّاظر إلى عوالم من الجمال والسّحر.. لكن هناك في الزّوايا غير الخفية مسحة من الحزن والأنفة والتمرّد وفي بعض الأحيان السوداوية.. سألته عن ذلكى فأجابني “كل أنواع الإبداع هو أشبه بحالة من السحر، كما اعتقده القدماء، وكما ذكرت سابقاً، حالتي قبل الرّسم هي التي تحدّد مناخ اللّوحة وتضاريسها اللّونية، الحياة ملوّنة فهناك فرح وحزن وموت، تلك الزّوايا المهملة في لوحاتي هي الأصدق هي طفولة اللوحة أو جنينها هي بريئة أحبها لأنّ ليس لها عقل ووضعت دون رياضيات، وما تسمينه أنت بالسّواد في بعض الأعمال هي حالة مصير الإنسان اليوم في الوطن مع أسئلته المفتوحة.. إلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟.. هي أشبه بحالة الدكتور هاملت في جحيم فاوست، تلك الأسئلة هي التي تنتابني اليوم في ظلّ هذه الأحداث المرعبة والكارثيّة وهي السواد الذي تجدينه في بعض الأعمال!

في معرض الحديث عن الإنجاز والرضا عن الذات سألت كولي عن شعوره الآن فعلق “لا أخفي عليك لماذا يراودني شعورٌ بعدم الرَضا عن كل ما قدمته، في الفن ليس هناك نهاية، هناك دائما شعور البداية، مع انتهاء كل لوحة أتأمّلها وأقول لا، ليس هذا ما أريده، وهكذا أبدأ بعملٍ جديد وبانتهائه يصبح قديما وثانية العودة إلى البداية.. وهكذا صدقيني هكذا هي الحالة”.

في السؤال عمَا يُقال عنه بخَروجه عن الأكاديمية.. وتجاوز النظريات الفنية، وإن كان ذاك الخروج هو نوع من التحرّر من القوالب والخروج عن المألوف أجاب كولي “عندما أقف أمام القماش الأبيض لا أفكّر بالمدارس الفنيّة والاتجاهات، حتى العقل أرميه جانبا لفترةٍ محدّدة، وحده التدفّق العفوي هو الأصدق، وهناك مقولة لأحد النقاد الفرنسيين يقول فيها “الفن يبدأ ما بعد الأكاديمية”، طبعا هذا صحيح، وهو الأصعب، ما بعد الأكاديمية، أن ترمي كل ما تعلمته وتبدأ من جديد”.

كاتبة من مصر

16