هل بوسع واشنطن الصمود في حروب المستقبل الذكية

خبراء يرون بوادر لحرب تكنولوجية عالمية.
الأربعاء 2019/07/10
تكنولوجيا المستقبل تأجج الصراع الدولي

يسلط قرار وزارة التجارة الأميركية، إدراج عملاق التكنولوجيا الصيني هواوي، على قائمة الشركات التي تمارس أنشطة تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة، الضوء مجددا على الصراع بين القوى العالمية العظمى على امتلاك تكنولوجيا المستقبل، ورغم أن القرار اتخذ طابعا سياسيا إلا أنه يكشف عن مخاوف أميركية من ريادة الصين في المجال التكنولوجي، خاصة أن شركة هواوي باتت في مقدمة السباق العالمي في شبكات الجيل الخامس والتي ستنقل قطاع الاتصالات إلى مستويات أعلى، على غرار نجاحها في التقنيات التي غيّرت أنماط الحياة البشرية.

واشنطن - أخذت القيود الأميركية المتلاحقة على شركة “هواوي” الصينية التي تسيطر على أكثر من ربع سوق الاتصالات العالمي، تلهب الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين.

ورغم ظهور العديد من البوادر لتهدئة النزاع التجاري بين البلدين خلال قمة العشرين الأخيرة المنعقدة في اليابان، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أعقاب اجتماعه مع شي جين بينغ أن بلاده لن تفرض رسوما جمركية جديدة على السلع الصينية، إلا أن الحظر الأميركي على استخدام تكنولوجيا شركة الإلكترونيات الصينية العملاقة “هواوي” في مجال الجيل الخامس لشبكات الاتصالات لم يتغير.

ويؤكد خبراء ومتابعون أن القرارات الأميركية هي بوادر لحرب تكنولوجية عالمية، حيث كشفت حجم مخاوف واشنطن من تكنولوجيا الجيل الخامس للهاتف المحمول والتي نجحت الصين في تطويرها عبر شركة الاتصالات هواوي، فيما لا تملك الولايات المتحدة أي قدرة حقيقية على منافسة معدات شبكات الجيل الخامس التي تقدمها الشركة الصينية.

 وشرح تقرير لدانيل غيرستين نشره موقع مجلة “ناشيونال إنترست” الأميركية، ملامح الحرب التكنولوجية المتطورة التي بدأت تلوح في الأفق والتي ستشكل أمن النظام الدولي في القرن 21، وأولى شرارتها هو اعتبار الولايات المتحدة قفزة الصين في التكنولوجيا المتطورة بمثابة “تهديد وجودي” ضدها.

 وكانت أولى خطوات كبح الطموح الصيني في مجال التكنولوجيا، هو توجيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى شركة هواوي اتهامات بانتهاك العقوبات التجارية المفروضة على إيران، والسعي للسيطرة على تقنيات الشركات الأميركية وملكياتها الفكرية، وهو ما تنفيه الشركة الصينية، وترى أن هدف الولايات المتحدة هو عرقلة ووقف صعودها.

مجالات الصراع

على الرغم من أن هذه الحرب في بدايتها إلا أن هوية الفائزين والخاسرين بدأت في الظهور. وفي هذه المرحلة، تجد “قائدة العالم” الولايات المتحدة نفسها في وضع غير مريح حيث قد يتراجع نفوذها لصالح قوى عظمى مثل روسيا والصين المعنيتين بهذا السباق.

وزرعت الولايات المتحدة بذور هذا الصراع الناشئ عن غير قصد، فقد شهد العالم تأثير التكنولوجيا ومساهمتها في تراكم ثروة البلاد وتعزيز قدرتها العسكرية ذات الامتداد العالمي. وسجلت ربع إجمالي الناتج المحلي العالمي. وتتجاوز ميزانية دفاعها المجموع الذي سجلته الدول السبع التي تليها على لائحة الدول الأكثر إنفاقا على التسلح مجتمعة.

يجب على إدارة ترامب تطوير الأولويات التكنولوجية، ويجب أن تمنح التقنيات التي تعتبر حيوية لأمن الولايات المتحدة الاقتصادي والوطني استثمارات لتحفيز التقدم وتشجيع القيادة الأميركية.

وأصبحت الولايات المتحدة بذلك من أكبر القوى العظمى في العالم. وتريد بعض الدول أن تصبح بقوتها، مما يعني تزايدا في المنافسة واندلاع حرب تكنولوجية.

ومع تواصل بعض التطورات المهمة في مجال التكنولوجيا، يكشف التحول المستمر في درجة الإنفاق العالمي على البحث والتطوير مدى تراجع هيمنة الولايات المتحدة.

ففي الستينات، سجلت الولايات المتحدة 69 بالمئة من الإنفاق العالمي على البحث والتطوير. لكن بحلول سنة 2016، تراجعت هذه النسبة إلى 28 بالمئة. ويبيّن هذا التحول، أن الولايات المتحدة لم تعد متفوقة في هذا المجال.

ويمكن رصد الخطوط الكبرى لهذه الحرب التكنولوجية القادمة في العديد من المجالات الرئيسية، أبرزها الجيل الخامس ضمن تقنية الاتصالات اللاسلكية، والتي من المحتمل أن توفر جودة إنترنت أسرع بـ100 مرة مقارنة بالسرعة الحالية. ويجمع الخبراء أن هذه التقنية تشعل أول حرب تكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين. وأرجح غيرستين فوز بكين في سباق التسلح هذا على غريمتها واشنطن. ومع أن الأمن القومي والعواقب الاقتصادية على المحك، فإن شركة هواوي الصينية تبدو عازمة على إنهاء هذا السباق كرائدة في المجال التكنولوجي، وقد أثبتت الصفقة الأخيرة بين الشركة وروسيا الإصرار الصيني على هذا الطموح.

ودخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خط المواجهة وندد بما اعتبره محاولات من واشنطن لـ”إخراج هواوي من الأسواق العالمية بشكل غير رسمي”. وتزامنت التصريحات مع توقيع مجموعة “أم.تي.أس” الروسية العملاقة للاتصالات اتفاقًا مع هواوي لتطوير شبكة “5جي” في البلاد.

وكان الرئيس الروسي من أوائل من لفت الانتباه إلى أن القرارات الأميركية بحق هواوي بداية لحرب تكنولوجية عالمية.

وفيما تبقى صناعة التكنولوجيا الحيوية في الصين أقل بنسبة 10 بالمئة من الصناعة الأميركية، لكن من المرجح أن يستمر توسع الصين السريع في مجالات البيولوجيا والجينوم والوراثة وعلم التشخيص الجزيئي، حيث استثمرت الصين في علم الجينوم الذي قد تهيمن عليه أيضا. وسيتمتع أول من يكتشف أسرار الجينوم البشري بمزايا كبيرة في عدد من المجالات مثل الطب الشخصي الذي يعتمد على اتخاذ إجراءات تناسب كل مريض على حدة. ويوفر توجه بكين إلى التكنولوجيا الحيوية “كصناعة ناشئة استراتيجية” دليلا على رغبة الصين في أن تصبح رائدة عالمية في مجال التكنولوجيا.

وبدوره يبرز الذكاء الاصطناعي والفضاء الإلكتروني كعنصرين مهمين في هذه الحرب. وقد ازدادت في الآونة الأخيرة المناقشات حول إمكانيات الذكاء الاصطناعي ومخاطره المتمثلة في إنشاء مجتمع عاطل عن العمل أو نشر روبوتات تقاتل في ساحات المعارك.

وعلى شبكة الإنترنت، أدى عدد الهجمات الإلكترونية المتزايد إلى التشكيك في أمان الفضاء الرقمي، وحماية البيانات الموجودة فيه، وسريّة معلومات الأفراد الخاصة. كما يشمل التسابق مجالات أخرى مثل الحوسبة الكمية والطائرات دون طيار وتقنية الجزيئات متناهية الصغر. وسيتمتع المهيمنون على هذه التكنولوجيات بمزايا تساعدهم على الريادة في هذا المجال.

المصالح التكنولوجية الأميركية

دانيل غيرستين: يؤثر الحظر الذي فرضه ترامب على شركة هواوي، على قدرة واشنطن التنافسية في تطوير شبكة الجيل الخامس
دانيل غيرستين: يؤثر الحظر الذي فرضه ترامب على شركة هواوي، على قدرة واشنطن التنافسية في تطوير شبكة الجيل الخامس

لحماية مصالحها التكنولوجية الرئيسية أمام المنافسة الشرسة من قبل الصين، وريادتها في تكنولوجيا الجيل الخامس، يقترح دانيل غيرستين في تقريره جملة من الإجراءات. ويرى أن دور الحلفاء أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. لذلك يجب على الولايات المتحدة تشكيل شراكات مع حلفائها الرئيسيين. كما يجب عليها مواصلة تعزيز التحالفات بين الحكومة والقطاع الصناعي والأوساط الأكاديمية لضمان الاستفادة القصوى من كل دولار ينفق على البحث والتطوير. وينبغي أن تنتبه واشنطن إلى خفايا مبادرة الحزام والطريق التي تهدف إلى توسيع نفوذ الصين على نطاق عالمي.

ثانيا، يجب على إدارة ترامب تطوير الأولويات التكنولوجية، ويجب أن تمنح التقنيات التي تعتبر حيوية لأمن الولايات المتحدة الاقتصادي والوطني استثمارات لتحفيز التقدم وتشجيع القيادة الأميركية.

من جهة أخرى تبدو دعوة الإدارة الأميركية الأخيرة لزيادة الاستثمار في الصناعة والأبحاث الأساسية، بدلا من التمويل الحكومي، ضيقة الأفق. وينبغي إعادة النظر فيها على ضوء الحرب التكنولوجية.

وستكون إعادة تقييم البرامج مثل ضوابط التصدير وشروطه، وإجراءات الموافقة على الاستثمار الأجنبي، وحماية الملكية الفكرية مفيدة لحماية التكنولوجيا الأميركية وتعزيزها. ومن بين الإجراءات الأخرى، إدارة سلاسل التوريد العالمية التي ستشمل الخدمات التكنولوجية، إذ إن لتعطيل سلاسل التوريد العالمية تأثيرات يصعب التنبؤ بها. ومن المحتمل أن يضر الحظر الذي فرضته إدارة ترامب على هواوي بالشركات الأميركية، كما قد يؤثر سلبا على قدرة الولايات المتحدة التنافسية في تطوير شبكة الجيل الخامس.

وبالمثل، قد تتضرر الولايات المتحدة إذا نفذت تحذيرها المتعلق بإيقاف مشاركة أنقرة في برنامج الطائرة المقاتلة أف-35 بسبب شرائها أنظمة للدفاع الصاروخي من طراز أس-400 من روسيا. وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن بلاده ستبحث عن بدائل إذا لم تتسلم مقاتلات أف-35. وأكد أن صفقة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية أصبحت “محسومة” ولم يعد إلغاؤها أمرا ممكنا.

ويقلل هذا من أهمية التحذير الأميركي، حيث لا تبدو خسائر تركيا المحتملة مهمة بقدر ما هي ضرورية للولايات المتحدة التي تحتاج إلى الحفاظ على حلفائها.

 ويلخص دانيل غيرستين بقوله إن حرب التكنولوجيا الجديدة يجب أن تصبح أولوية بالنسبة لواشنطن. فهي تختلف عن الصراعات والحروب الطويلة التي تخوضها الولايات المتحدة، “حيث ستتحول المختبرات ومراكز البحوث إلى ساحة المعركة التي ستمتد نتائجها لعقود”.

12