هل تأخرت الولايات المتحدة في تقويض مشروع نورد ستريم 2

أنتوني بلينكن: خياراتنا لوقف خط أنابيب الغاز محدودة.
الثلاثاء 2021/03/30
حصل ما في الصدور

فشلت الضغوط الأميركية طيلة ولاية الرئيس دونالد ترامب في تقويض مشروع نورد ستريم 2 بمدّ أنبوب الغاز الروسي إلى ألمانيا. ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض اتخذ المشروع طريق اللاعودة ما يحتم على واشنطن مراجعة خياراتها.

واشنطن – تعكس التصريحات الهادئة لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بشأن خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 الذي يربط روسيا بألمانيا تغييرا في تعامل الإدارة الأميركية مع ملف ظل لسنوات أحد أهم أسباب الاحتكاك وتشنج العلاقات بين واشنطن وبرلين، إلا أن ذلك يطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت واشنطن قد “استسلمت” أخيرا للأمر الواقع أم أنها لديها خيارات بديلة لتقويض المشروع الضخم بعيدا عن سياسة العقوبات.

واعتبر بلينكن أن خيارات الولايات المتحدة لوقف خط أنابيب نورد ستريم 2 محدودة، لكنه أشار إلى أن الخلافات حول خط أنابيب الغاز الروسي إلى ألمانيا لا ينبغي أن تلقي بظلالها على العلاقات بين الحليفين.

وقال في برنامج “حالة الاتحاد” على شبكة “سي.أن.أن” في مقابلة تم تسجيلها بعد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل الأسبوع الماضي، بينما “نعتقد أنها فكرة سيئة”، فإن ألمانيا “هي أحد أقرب حلفائنا وشركائنا في أي مكان في العالم.. وحقيقة أن لدينا خلاف بشأن خط الأنابيب هذا فلن تتغير هذه الحقيقة”.

ويهدف خط أنابيب نورد ستريم 2، الذي أوشك على الانتهاء، إلى ضخ الغاز الروسي مباشرة إلى محطة في ألمانيا، ما يرهن الأمن الطاقي الأوروبي لدى الخصم الروسي حسب الأميركيين.

ويرى اقتصاديون أنه من الصعب الحديث عن تبعية ألمانية لروسيا في الغاز، لأنه يشترى في البورصات العالمية ويمكن في كل لحظة وحين تغييرُ المزود، وبالتالي فإن القول إن ألمانيا أسيرة لروسيا في هذا المجال ادعاء غير دقيق.

وتؤيد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المشروع الذي تعارضه الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي لأسباب يقول خبراء استراتيجيون إنها سياسية بالأساس وليست ذي مصداقية.

أنتوني بلينكن: الخلافات حول خط أنابيب الغاز الروسي إلى ألمانيا لا ينبغي أن تلقي بظلالها على العلاقات بين الحليفين

وعلى الرغم من خلافاتها السياسية مع روسيا، ترى ألمانيا أن نورد ستريم 2 سيضمن لها مصدرا للطاقة صديقا للبيئة وأكثر استقرارا في وقت تبتعد فيه عن الفحم والطاقة النووية.

ويكتسي ضمان التزود بموارد الغاز الطبيعي أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، مع الزيادة المطردة في الطلب على هذه المادة، النادرة في دول التكتل القاري.

ويقوم الاقتصاد الألماني (أكبر اقتصاد في القارة) إلى حد كبير على صناعات حيوية تعتمد على استهلاك هائل للطاقة، مثل الصناعات الكيميائية أو الصناعات التعدينية. وعلى الرغم من الأهمية المتزايدة للطاقات المتجددة، فإن الغاز الطبيعي يضطلع بدور محوري باعتباره ثاني أكبر مصدر للطاقة في ألمانيا لهذه الصناعات.

وتستورد ألمانيا كل احتياجاتها تقريبا من الغاز الطبيعي. ويشكل الغاز الروسي حوالي نصف واردات الغاز الألمانية. ألمانيا (الغربية) بدأت في استيراد الغاز الروسي (السوفييتي آنذاك) إبان الحرب الباردة وبالضبط في نهاية الستينات من القرن الماضي. وأصبحت روسيا اليوم المورّد الرئيسي للغاز الطبيعي لألمانيا.

وأبدى الرئيس الأميركي جو بايدن معارضته للمشروع عندما كان نائبا للرئيس في عهد باراك أوباما، لكن يبدو أنه غيّر رأيه بعد وصوله إلى البيت الأبيض في 20 يناير الماضي. ويقول مراقبون إن التهدئة الأميركية حيال مشروع نورد ستريم 2 جاءت بعد أن أيقنت واشنطن أنها وصلت متأخرة في إطار مساعيها إلى تقويض أي تقارب بين روسيا والأوروبيين بعد اقتراب موسكو من استكمال هذا الأنبوب.

ويشير هؤلاء إلى أن واشنطن قد تعتمد على أوراق أخرى بديلة عن التهديد والعقوبات من أجل تقويض نورد ستريم 2 أو حتى التقليل من كميات الغاز التي ستتدفق من روسيا باتجاه ألمانيا.

وسوف تكون روسيا قادرة على تزويد الأسواق الأوروبية بـ110 مليارات متر مكعب (3.9 تريليون قدم مكعب) من الغاز الطبيعي سنويا عندما يبدأ تشغيل نورد ستريم 2.

واتهم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ألمانيا خلال اجتماع حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2018، بأنها تقع تحت سيطرة روسيا وفرض بالفعل عقوبات على الشركات المشاركة في المشروع. وتبلغ تكلفة المشروع نحو 9.5 مليار يورو، ما يُعادل الـ10.6 مليار دولار، ويقوم بتمويل نصف المبلغ عملاق الغاز الروسي غازبروم، والنصف الآخر يموله شركاؤه الأوروبيون وهم الألمانيتان فينترشال ويونيبر، والإنكليزية – الهولندية شل، والفرنسية إينجي والنمساوية أو.أم.في.

وقال ترامب حينها “نحن ننفق مليارات الدولارات لحماية ألمانيا من روسيا، فيما تقومون أنتم (ألمانيا) بدفع مليارات الدولارات لروسيا.. أعتقد أن هذا غير منطقي”.

وفي المقابل، تقول ألمانيا إن ترامب يعارض المشروع لمجرد توفير أسواق لتصريف إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الصخري.

وتقول موسكو إن الولايات المتحدة تسعى إلى إفساد المشروع لضمان أن يتمكن مزودو الغاز الطبيعي الأميركيون من بيع الصادرات إلى سوق الاتحاد الأوروبي بسعر أعلى من سعر روسيا.

واشنطن ترى أن خط أنابيب نورد ستريم 2، الذي أوشك على الانتهاء، يرهن الأمن الطاقي لأوروبا لدى الخصم الروسي

ويعد الغاز الطبيعي الروسي الذي يتميز بانخفاض التكلفة بحوالي 30 في المئة أرخص من الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، ما يضع الموردين الأميركيين في وضع غير مناسب.

وبالنظر إلى قرب روسيا من الأسواق الأوروبية الأخرى، فإن احتياطياتها الوفيرة من الغاز الطبيعي تجعلها المورد الأكثر موثوقية وفعالية من حيث التكلفة.

ويفترض منتقدون للعقوبات أن الولايات المتحدة تريد بيع الغاز الأميركي، الأكثر تكلفة، ومن ثم قامت بزيادة الضغط في هذا الأمر.

ويعد الغاز الطبيعي الروسي، الذي يتميز بفاعلية التكلفة، أرخص من الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة بحوالي 30 في المئة، ما يضع الموردين في وضع غير متكافئ.

وهذا هو السبب غير المعلن الذي دفع إدارة ترامب إلى بذل قصارى جهدها لتقويض المشروع، ولكن ذلك لم يمنع حتى الآن من استكماله.

5