هل تأكل أفريقيا ما تزرعه

الأربعاء 2013/11/20

عندما نذكر افريقيا فان أول مايتراءى لنا المجاعات والكوارث والاقتتالات العرقية. دائما هناك صورة نمطية حول افريقيا في الاعلام، بأنها تلك القارة الفقيرة التي يحيطها الجفاف والجوع والأمراض .

لكن افريقيا تزرع الكثير من المحاصيل التي لاتصل للافارقة بل يتم وضعها تحت بند زراعات التصدير. اي ان القارة السمراء، تزرع المحاصيل التي لا تأكلها.

من الغريب أيضا أن لا يتناول أحد غنى وثروات تلك القارة، التي تملك 40% من موارد الكرة الارضية.

في الظاهر يتم إرجاع انتشار الجوع الى الجفاف وقلة المزروعات والاراضي الخصبة، لكن حقيقة الامر أن المساحات المزروعة فعلا، كبيرة جدا، بل إن هناك فائضا في الانتاج. لكن المشكلة أن افريقيا تزرع ما لا تأكله أو ما لا يفيد أهلها.

إشكالية بلدان أفريقيا ليست في ظلم الجغرافيا او المناخ بل في فساد وجشع الانسان. فمن اجل دولارات التصدير تستخدم المحاصيل لتسمين أبقار أهل الشمال .

معظم المساحات الزراعية تركز على ما يعرف بـ"مزروعات التصدير" التي لأجلها يقتلع القمح والشعير مثلا، ويزرع عوضا عنها الكاكاو والأزهار، لأنها سلع مطلوبة في الأسوق العالمية.

وفي مقلب آخر! أصبح مقبولا جدا أن تتلازم كلمة مساعدات مع افريقيا، فشهية الجوع هناك لا تشبع. لكن قلما كان هناك تدقيق في تلك المساعدات وما إذا كانت ملاءمة لسكان بلدان أفريقيا الفقيرة؟ هذا عدا عن السلبيات التي تجرها على تلك البلدان.

هناك سلسلة طويلة من المصالح تختبئ وراء تلك المساعدات السخية "الغير بريئة". فأوروبا مثلا تسهم بأكثر من 50 في المائة من مسحوق الحليب خالي الدسم في صندوق تبرعاتها لجياع العالم، الذين لا يعرف غالبيتهم كيفية إذابته في الماء، هذا إن كانوا أصلا يمتلكون الصحون والملاعق أو الماء الصالح للشرب.

لكن عند التبحر بالامر، يتضح أن السوق الأوروبية المشتركة لديها صداع، من الفائض الكبير في ألبان مزارعها. حيث ينتج دائما لتر حليب فائض من كل ستة لترات. تلك الكمية الزائدة، تفوق بمراحل حاجة سكان أوروبا مجتمعين.

طبعا هذا الإنتاج الغزير مرده للوجبات الدسمة التي تمرر يوميا لمعدة الأبقار الأوروبية المدللة. والمفارقة أن أعلاف تلك الابقار تزرع خصيصا لها، في أماكن مختلفة من العالم. وتكبر المفارقة حين نعلم أن أعلافها تزرع في نفس المناطق التي يحتاج سكانها بشدة إلى الغذاء.

إذن فإن الامر، والى حد كبير، لا يرتبط بأعمال الخير والرحمة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمادة كاللبن سريعة العطب. فالمعضلة الأكبر هي في تحويل الحليب إلى منتجات يسهل تخزينها، أي إلى لبن وزبد منزوع الدسم يسهل بعدها تجفيفه وتحويله إلى مسحوق.

لكن هناك مشكلة اخرى وهي إيجاد زبائن لتلك المواد! فالحليب الاوروبي سلعة مكلفة بسبب الدعم الذي تقدمه الحكومات ا لمزارعيها لقاء منتجاتهم؛ ما يجعل اسعارها مرتفعة في الاسواق خارج أوروبا.

ولا يتوقف الموضوع عند ذلك الحد، فتحت شعار الأعمال الإنسانية، يتم تزويد بلدان المجاعات بمصانع أوروبية للألبان، كي تستطيع تحويل المسحوق إلى مواد قابلة للاستخدام الفوري، وبالطبع المصانع تتطلب تمويلا والتمويل الذي تقدمه مصارف عالمية أو حتى مؤسسات دولية لن يكون مجانا، بل تطوله سلسلة من الفوائد العالية والاشتراطات.

سلسلة طويلة من المصالح الشرسة التي لا تقوى بلدان أفريقيا على الافلات منها.


* إعلامية في "سي.أن.بي.سي عربية"

11