هل تؤدي ثقافة "التنازل" إلى حل أزمة العنوسة في البلدان العربية

باتت مشكلة العنوسة تؤرّق العديد من المجتمعات العربية، خاصّة بعد تفاقمها، بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية التي تمرّ بها بعض الدول حاليا. ومن أجل محاربة استفحالها ظهرت مبادرات متنوّعة تدعو إلى الحدّ من ارتفاع تكاليف الزواج، وتخفيف “المهور” عن كاهل الشباب، والقضاء على أزمة انتشار العنوسة. المبادرات اقتربت من جوانب، كان محرّما تقريبا في السابق الاقتراب منها، مثل التزام العريس بمهر كبير و”شبكة” (هدية من الذهب تقدم للعروس)، ومنزل مؤثث بأحدث التقنيات، وحفل عرس يتحدث عنه الجميع. لكن هل المرأة العربية مؤهلة لثقافة “التنازل” عن تلك الأشياء؟ وهل ذلك في صالحها؟ وهل يخفّض بالفعل نسبة العنوسة؟ ولماذا تقبل الفتاة هذا الاتجاه؟
الأحد 2016/08/14
كثرة الحلي تثقل كاهل الرجل وتعمق عنوسة المرأة

أطلق شباب في الأردن حملة “معيش غير دبلتين تتجوزّيني؟” من خلال صفحة على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) وجاءت هذه الحملة كمحاولة لتغيير بعض العادات والتقاليد، وسط ارتفاع أسعار الذهب، والتضييق على ثقافة “المظاهر” ومساعدة الشبان الذين يقعون ضحية لهذه الثقافة في ظل أوضاع اقتصادية تزداد سوءا.

وفي السعودية أطلق شباب “هاشتاغ” على موقع “تويتر”، #الزواج_المختصر، وحصد أعلى نسبة مشاركة خلال الأسابيع الماضية، وصل عددها إلى أكثر من مليون مشاركة. وطالب مغردون شاركوا في “هاشتاغات” حملت عناوين مختلفة ومضمونها واحد للحد من الإسراف، وأهمية تقبّل جميع أفراد المجتمع للفكرة بنشر التجارب الشخصية وتعميمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ووجّه أصحاب الحملة رسالتهم إلى مشايخ القبائل وعقلاء المناطق في المملكة، باختصار حفل العرس على أقارب العريس والعروس في المنزل، والتوقف عن تكاليف التجمّعات والتبذير في الزواج. تلك المبادرات لم تكن الأولى من نوعها بالسعودية فقد سبقتها مبادرة الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة بتوجيه المسؤولين لعقد اجتماع بشيوخ القبائل لإعداد وثيقة لمعالجة ارتفاع المهور والحدّ من الإسراف في الزواج.

ولم تكن مصر بعيدة عن تلك الحملات فقد انتشرت أخيرا مبادرات ودعوات واسعة مثل “شبكة فضة”، و”بلاها شبكة”، و”ماتشتروش دهب”، للتسهيل على الشباب، وإعفائهم من شراء المشغولات الذهبية، والاكتفاء بخاتم الزواج، بجانب إلغاء بعض أنواع “الرفاهيات” من أثاث المنزل والاهتمام بالأساسيات. حسب القائمين على بعض المبادرة في عدة محافظات مصرية، فإن الهدف حل مشكلة 13.5 مليون شاب وفتاة أدرجهم تقرير الجهاز المصري المركزي للمحاسبات (تابع للحكومة) ضمن من تعدّاهم سنّ الزواج.

وبدأت الأصوات ترتفع مطالبة بإلغاء “الشبكة”، وتحدث أئمة المساجد في خطب الجمعة والدروس الأسبوعية، واستشهدوا بأحاديث نبوية وآيات قرآنية عن وسطية الدين، وطالبوا الأهالي باختيار “أصحاب الخلق والدين” للزواج من بناتهم. وأوصى قساوسة ورهبان خلال عظاتهم في الكنائس بعدم المغالاة في قيمة “الشبكة”، والاكتفاء بقطع محدودة من المصوغات الذهبية أو الاستغناء عنها، تخفيفا على الشباب المقبل على الزواج.

وأكدت آمنة نصير أستاذة الفقه والعقيدة بجامعة الأزهر على ضرورة تيسير إجراءات الزواج للحدّ من العنوسة، مثل الاكتفاء بـ”شبكة” من الفضة، أو خاتمين فقط، بالإضافة إلى عقد القران في المساجد وإلغاء الأفراح التي تكلّف الآلاف من الجنيهات. وعند فسخ الخطوبة تعود له، وإذا كان الفسخ بعد العقد يعود نصفها فقط، وإذا خلا بها تبقى للزوجة، هكذا تقول التقاليد.

الحالة المادية وغلاء المهور وارتفاع تكاليف المعيشة لم تعد من أسباب العنوسة الرئيسية، بل إن هناك أسباباً جديدة تؤثر على معدلات عنوسة الشباب والفتيات، مثل تغير مفهوم الارتباط والزواج

وقد أجرى المركز المصري لبحوث الرأي العام “بصيرة”، استطلاعا حول مدى موافقة الفتيات على تسهيل بعض عادات وتقاليد الزواج، أظهر أن 61 بالمئة من الفتيات المصريات يوافقن على الزواج بدون “شبكة”، و38 بالمئة يوافقن على الزواج بدون مهر، فيما توافق 3 من كل 4 فتيات غير متزوجات على الزواج بدون سفر لقضاء شهر العسل.

ولم يتوقف الأمر عند التأييد، بل وصل إلى اتهام الأصوات المطالبة بالتيسير لمن ترفضن التنازل عن “الشبكة” أو المهر بأنهن تنظّرن للزواج ويعتبرنه بيعا وشراء،

وأوضحت مها عبدالستار استشارية العلاقات الأسرية أن المقارنة بين المجتمعات العربية والغربية مغلوطة تمامًا، لأن اختلاف الثقافات ينتج عنه اختلاف الطقوس وبالتالي اختلاف الحقوق والواجبات. وقالت لـ”العرب” إنها لا تدعم المغالاة في البنود المادية للزواج، لكن يجب أن يكون هناك حدّ أدنى من الحقوق، وهناك فرق بين تيسير الزواج، والزواج بدون ثمن، مشددة أن “ما يأتي رخيصا أو بدون ثمن يذهب أيضا كذلك”.

هذه النوعية من النصائح لم تجد صداها عند فتيات تجاوزن سن الثلاثين، لأن وصول المرأة إلى هذا العمر يجعلها مضطرة لتبنّي ثقافة “التنازل” للهروب من شبح العنوسة، وتتراجع شيئاً فشيئاً مستبدلة قناعتها السابقة بأخرى نابعة من رضا داخلي أو مؤثّر خارجي، رغبة منها في تكوين أسرة وإنجاب الأطفال والهروب من شبح الضغوط الاجتماعية التي قد تواجهها. وفي رأي فتيات التقتهم “العرب” أن التنازل ليس نقصا أو تقليلا من شأنهن أو قبحا في صفاتهن، بل على العكس هن في موقع قوة بإرادتهن التي جعلتهن يتنازلن عن شيء، مقابل تحقيق نتيجة إيجابية وهي التخلص من العنوسة.

وقالت سامية الساعاتي أستاذة علم الاجتماع لـ “العرب” إن تبنّي الفتيات العربيات لسلسلة من التنازلات لن يقضي كما يعتقدن على ظاهرة العنوسة. ونوّهت إلى أن غلاء المهور وارتفاع تكاليف المعيشة لم تعد من أسباب العنوسة الرئيسية، بل إن هناك أسباباً جديدة تؤثر على معدلات عنوسة الشباب والفتيات، مثل تغيّر مفهوم الارتباط والزواج لدى هؤلاء الشباب والفتيات. المشكلة أن كثرة الاندماج في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، جعلت هناك عالما افتراضيا كبيرا للشباب، باتوا يعيشون فيه نفسياً وعاطفياً، ويرتبطون به إلى حد الاكتفاء والاستغناء عن الحياة الواقعية المتمثلة في الزواج.

كاتبة من مصر

20