هل تبرر غاية الآباء وسيلتهم في التجسس على الأبناء

السبت 2014/06/21
جهاز التنصت يعمق الفجوة بين الآباء والأبناء

القاهرة- ينشغل الآباء كثيراً عن الأبناء، ويفاجؤون بين لحظة وأخرى بوقوعهم في مشاكل متنوعة، ومع تكرار هذه المشاكل ابتكرت شركات الاتصال جهازاً يساعد الآباء على مراقبة تصرفات أبنائهم، بالتنصت على المكالمات الهاتفية باعتبارها مفتاح انحراف الأبناء وفساد أخلاقهم، فإلى أي مدى يمكن لأسرة عربية أن تستخدم مثل هذه الأجهزة، وما هو تأثير استخدامها على الأبناء؟.

في البدايه تحدثنا مع عدد من الأبناء للتعرف على وجهة نظرهم إذا ما استخدم أباؤهم هذه الأجهزة، يقول محمد جابر، طالب بكلية الآداب قسم الفلسفة: هذه الأجهزة لن تفيد الآباء في شيء، فقد تفيدهم في سماع مكالمة أو أكثر، وعندما يلاحظ الأبناء هذا سيتوقفون عن التحدث في أي شيء خاص بهم، وقد يستخدمون شفرة خاصة بهم لا يستطيع الآباء التوصل إليها بسهولة، ولن تقيد هذه الأجهزة في مراقبة ما يريد الأبناء فعله، بل على العكس قد يتمسكون بما يفعلونه على سبيل العناد وقد يقومون بأشياء أكثر لم يكن في بالهم أن يفعلوها، فإذا أراد الابن مثلا أن يتحدث مع فتاه فسيختصر الطريق إلى مقابلتها دون محادثتها، ولذلك فهذا الجهاز ليس الحل لمعالجة سلوك الأبناء.

وفاء عبد الحميد القاضي، أم لثلاثة أبناء، تقول: إنني أتعجب حقاً من أي أب أو أم يوافق على دخول مثل هذا الجهاز البيت، فدخوله يعني عجز الوالدين تماماً عن تربية أبنائهم كما يعني عدم الثقة في الأبناء، والشك في تصرفاتهم ويعني أيضاً عدم الأمان بالنسبة للأبناء، فمثلاً قد تتكلم ابنتي مع إحدى صديقاتها وتحكي لها هذه الصديقة عن مشكلة في بيتها، فأنا أعتقد أنه لا يحق لي أبداً أن أسمع هذه المشكلة، أو أسمع أي شيء خاص أو عائلي بالنسبة لصديقتها.

أما أحمد رفعت النادي، أب لأربعة أبناء، يقول: لماذا لا أدخل مثل هذا الجهاز في بيتي، فهو جهاز يساعد الآباء تماماً في تربية أبنائهم، وهو لا يعني التجسس والتنصت وإنما يعني التربية والتوجيه، ثم إن هذا ليس معناه أنني أفقد الثقة في ابني، ولكني أقوم بواجبي لتربيته، ثم ماذا يغضب الأبناء في ذلك مادام سلوكهم سوياً، ولا يفـعلون شيئاً يخافون أن يــعرفه الأب أو الأم.

الجهاز قد يؤدي إلى نتيجة عكسية فبدلاً من التربية والتقويم يكون سبباً في الانحـراف المتـواري خلـف أنـظار الآبـاء

بينما ترفض الدكتورة أمل حسن محمد أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة هذا الجهاز وهذه الفكرة قلبا وقالبا وتقول: أول الأشياء التي يجب أن أربي ابني عليها هي حريته الشخصية مع وجود الضوابط اللازمة والتوجيه الدائم، ومعنى كلمة حرية أي وجود خصوصيات لابد من احترامها حتى وإن كان ابني هذا صغيراً وخصوصياته صغيرة.

وتضيف الدكتورة أمل: يجب إعطاء الثقة والأمان تماماً للأبناء وهذا الجهاز ضد الأمان، وضد القدوة الحسنة التي هي من أهم مقومات التربية، فكيف أتخذ مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” فأفعل شيئاً وأنهي عنه أبنائي في نفس الوقت؟ كيف أتجسس عليهم وأنهيهم عن فعل ذلك؟.

أما الدكتور محمد يحيى أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس فيقول: يجب على الآباء مراعاة المراحل العمرية عند الأبناء وخاصة مرحلة المراهقة فهي (مرحلة العند الشديد) و( مرحلة تثبيت الشخصية)، ولذلك فقد يحاولون فعل أشياء لم يفكروا في فعلها من قبل، قد يخرج الابن للتنزه مع فتاه لمجرد أن أباه يمنعه من محادثتها تليفونياً أو يراقب مكالماته ويستمع إليها، أيضاً لابد من الأخذ في الاعتبار أن مبدأ ( كل ممنوع مرغوب ) هو مبدأ لابد من مراعاته في التربية، فهو مبدأ عام لدى الإنسان لا يوجد في سن معين ولكنه قد يزيد في سن المراهقة، وبالتالي فهذا الجهاز قد يؤدي إلى نتيجة عكسية فبدلاً من التربية والتقويم يكون سبباً في الانحـراف المتـواري خلـف أنـظار الآبـاء.

هذا الجهاز يدخل في باب التوجيه والترشيد لأنه يعمل على حث الابن على التزام السلوك القويم

أما الدكتور أحمد عطا إبراهيم أستاذ الحديث والتفسير بجامعة القاهرة فيقول: إن هذا الجهاز ليس بالتجسس والتنصت على الإطلاق، ولكنه يدخل في باب التوجيه والترشيد، لأنه يعمل على حث الابن على التزام السلوك القويم، لأن الأب هو المسؤول الأول عن تربية ابنه، وبالتأكيد سيفيده بخبرته في الحياة بجانب خبرة الابن القليلة التي تكاد تكون معدومة أيضا، فإن أمر الله تعالى عز وجل في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).

فهذا القول في ( ولا تجسسوا ) ليس على الإطلاق، لأن الأعمال بالنيات، فمثلاً التجسس في الحروب مُباح، أما إذا كان القصد غير مشروع فهذا غير مُباح، فالأب لا يسمع مكالمات ابنه لأنه فضولي أو يشعر بالفراغ، بل هو دائماً يريـد الأفـضل لأبنائه ولسلوكهم، ولذلك قد يستمع لهذه المكالمات ويشغل نفسه بأشياء صغيرة في حياة أبنائه، وهو لا وقت عنده مثلاً ومشغول جداً في عمله.

والسؤال الذي يجب أن نسأله هنا: هل الغاية مشروعة؟ والإجابة أيضاً للدكتور أحمد عطا: بالطبع مشروعة ومادام الاستماع إلى المكالمات ليس بغاية التجسس بل التربية والتقويم. وهما من أهم وأسمى الغايات، فلا يوجد أغلى من الأبناء للاهتمام بهم!!

20