هل تبقى اليونان في منطقة اليورو

السبت 2015/02/28

أسفرت المفاوضات الأولية الشاقة بين اليونان ووزراء مالية دول منطقة اليورو عن اتفاق لتمديد فترة الدعم المالي لأثينا لأربعة أشهر. الاتفاق أظهر مرونة الحكومة اليونانية الجديدة، فرغم أنها أبدت تحديا واضحا قبل، وأثناء، انتخابها في ما يتعلق بتطبيق برنامجها، بدت اليوم وكأنها تتراجع، أو تقلّص من طموح ذلك البرنامج “اليساري” الذي ألهب مشاعر الناخبين.

ولا يمكن ضمن ظروف المفاوضات الآنفة الذكر أن نحدد إلى أي مدى بات حزب سيريزا مستعدا للتراجع. فالمحادثات كانت جارية قبل أيام فقط على نهاية فترة الدعم المالي، ما يعني أن اليونان كانت مهددة بنفاد أموالها، وقد شكل ذلك ضغطا كبيرا، على الجانبين ولكن على سيريزا بصورة خاصة، للوصول إلى اتفاق مؤقت يتيح مزيد الوقت لخوض “المعركة” المصيرية. تُفاوض اليونان من موقع ضعيف، فهي الدائن الذي يفاوض المقرضين. وأي مقرضين، إنها الدول التي تشكل أعمدة الاتحاد الأوروبي، الذي يعتبر بدوره عملاقا اقتصاديا يعتد به على صعيد عالمي.

يعاني الاقتصاد الأوروبي من أزمة اقتصادية ممتدة منذ اندلاعها في الولايات المتحدة. وفي حين قطعت هذه الأخيرة شوطا كبيرا في تعافيها الاقتصادي، غرقت منطقة اليورو في الأزمة وفي برامج التقشف المفروضة على دول كاليونان والبرتغال وإيرلندا. مع ذلك تبقى منطقة اليورو منطقة عملاقة على المستوى الاقتصادي، وتقود ألمانيا تلك القوة إذ سجلت العام الماضي رقما قياسيا في فائض ميزانها التجاري بلغ 246 مليار دولار، لتحل ثانيا بعد الصين على صعيد المصدّرين المهيمنين على العالم.

تقود ألمانيا القوية المفاوضات مع اليونان المريضة على برنامج التقشف. وفي حقيقة الأمر، لا تبتغي ألمانيا مجرد تراجع حزب سيريزا عن وعوده الانتخابية عبر تقليصها، وإنما تسعى إلى “استسلام” تام وغير مشروط للحزب، بما يشكل درسا للأحزاب الصاعدة والمناهضة لخطط التقشف الاقتصادي وخصوصا في أسبانيا.

وفضلا عن تواضع حجم اقتصادها، لا تفاوض اليونان من موقع اقتصادي مستقر، بل من موقع كارثي. حيث تعمل قطاعات الإنتاج عند حدودها الدنيا، وتنخفض معدلات السيولة النقدية إلى مستويات سحيقة تجعل اليونان مقترضا دائما، وتفاقم من خدمة ديونها التي باتت تلتهم الدخل الوطني.

ضمن هذا المشهد أراد حزب سيريزا أن يتقمص دور المفاوض القوي، ممتلكا شحنة كبيرة من العواطف، ومستندا إلى الدعم الشعبي الكبير. هكذا، حملت المفاوضات شحنا عاطفيا وسجالات بين الأطراف. ولكن لا يبدو أن روح التحدي ذات أثر في مثل هذه الظروف، إذ كيف للمعرّض للإفلاس أن تكون له اليد العليا في المفاوضات؟

يبدو أن حزب سيريزا يدرك تلك الحقيقة، وكان ذلك أساس القناعة الداخلية بتخفيض سقف البرنامج وبدء مسلسل التنازلات، فالحزب تعهد بموجب الاتفاق الجديد بعدم التراجع عن عمليات الخصخصة التي جرت قبل وصوله إلى السلطة، وبرفع الحد الأدنى للأجور بشكل متدرج. الأهم هو موافقته على عدم اتخاذ أي إجراءات أحادية دون التشاور مع الدائنين بما يخص برنامج الإصلاح الاقتصادي، وكل ذلك يقيد برنامجه إلى حدود كبيرة. كما كانت حقيقة ضعف موقف اليونان أساسا لتعنت ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي وتوعدها بتشديد القبضة لاحقا أثناء مراجعة إنجازات وعمل الحكومة. سوف تحدد الأشهر القادمة ما إذا كان سيريزا سيتحول من حزب يساري إلى حزب وسطي، وذلك بالتخلي عن الوعود التي قطعها على الناخبين أو بتقليص تلك الوعود إلى نطاق ضيق يمحو التمايزات القائمة حاليا في برنامجه مع برامج الأحزاب الأخرى.

لكنّ الناخبين اليونانيين يدركون صعوبة المهمة، ويدركون الفارق بين سيريزا والأحزاب التي قادت من قبله الحكومة، والتي لم تتمكن من تحسين شروط البرنامج المفروض على اليونان. الحقيقة أنها لم تحاول ذلك، ولم تتجرأ على خوض مفاوضات جدية مع القوى الأوروبية. بل كانت، خلال سنوات التقشف، تقبل بصورة عمياء كل إملاءات الترويكا الأوروبية، وهو ما ولد شعوراً بالخزي لدى اليونانيين قاد من بين أسباب أخرى إلى انتخاب حزب يساري يوصف بـ”الراديكالي”.

واجهت الحكومة اليمينية قبل وصول سيريزا إلى السلطة قضية تطبيق برنامج التقشف الاقتصادي، بصرف النظر عن حجم التكلفة الاجتماعية المترتبة على ذلك. كانت تكلفة باهظة دفعت اليونانيين إلى تقديم إجابة واضحة بانتخاب سيريزا، بالقول لا لن نطبق برنامج التقشف بصرف النظر عن الثمن الذي نتكبده. اليوم، يبدو أن عدم تطبيق برنامج التقشف غير ممكن طالما بقيت اليونان في منطقة اليورو، فهل يجيب الناخبون عن سؤال جديد: هل تبقى اليونان في منطقة اليورو مهما بلغ الثمن؟


كاتب فلسطيني سوري

9