هل تتجاوز القمة الرئاسية لحوض النيل "مأزق عنتيبي"

يتوجه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى أوغندا الأربعاء المقبل للمشاركة في قمة دول حوض النيل والتي تشمل مباحثات حول اتفاقية عنتيبي والموقف المصري الجديد بشأنها. وتسعى القاهرة لإيجاد مخرج ينهي أزمة سد النهضة بعد أن تمكنت من استعادة زخمها الأفريقي، غير أن تعنت الموقف الإثيوبي قد يقف عائقا في التوصل إلى إرادة توافقية تنهي الخلافات.
الاثنين 2017/06/19
تجاوز الأزمة أمر وارد

تشكل القمة الرئاسية لدول حوض النيل التي تعقد في أوغندا الأربعاء والخميس المقبلين تحولا نوعيا في إدارة الخلافات الإقليمية حول الملف المائي، لأنها المرة الأولى التي تنتقل فيها قضايا تنظيم الاستفادة من موارد النهر من المستويات الوزارية والفنية إلى الرئاسية الجماعية، في خطوة تؤشر على حاجة مبادرة حوض النيل إلى إرادة سياسية عليا لتسوية الخلافات حولها.

لم تعد إدارة القضايا المائية مسألة فنية تخضع لحسابات الخبراء في مجال الري، فحسب، وإنما صارت أيضا ذات أبعاد سياسية واستراتيجية تتعلق بتغيرات موازين القوى في منطقة حوض النيل، لا سيما عند النظر إلى مساعي بعض الدول، خاصة إثيوبيا لتحويل موقعها كدولة منابع لنهر النيل إلى رافعة تنموية لطموحاتها السياسية الإقليمية على حساب دول أخرى مثل مصر والسودان.

تأتي تلك القمة التاريخية المنتظرة، التي تم تأجيل موعدها ثلاث مرات، نتاجا لمساع مكثفة من الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، الذي تترأس بلاده الدورة الحالية لوزراء حوض النيل العشرة، إذ حرص على التواصل مع رؤساء دول الحوض، خاصة مصر، بغية بناء توافق إقليمي يُخرج مبادرة حوض النيل، ومشروعاتها من العثرة التي امتدت لسبع سنوات منذ اتفاقية عنتيبي في عام 2010.

معضلة "عنتيبي"

تنطلق قمة أوغندا من محاولة تجاوز الخلافات حول اتفاقية عنتيبي، والتي وقعتها ست دول منفردة من المنابع (إثيوبيا، تنزانيا، كينيا، رواندا، أوغندا، بوروندي)، بينما تحفظت عليها دولتا المصب (مصر، والسودان)، وأدت الخلافات إلى تعثر مبادرة حوض النيل منذ 2010، بعد أن جمدت مصر أنشطتها، كون تلك الاتفاقية أهدرت على نحو واضح حقوقها المائية في نهر النيل، لا سيما وأنها أنكرت الحصص التاريخية المكتسبة لدولتي المصب (55.5 مليار م3 لمصر، 18.5 مليار م3 للسودان) التي كفلتها الاتفاقيات الدولية.

لم تراع اتفاقية عنتيبي أن القاهرة تعتمد كليا على نهر النيل، مقارنة بامتلاك بقية دول الحوض الأخرى لمصادر مائية بديلة

لم تراع اتفاقية عنتيبي أن القاهرة تعتمد كليا في مصادرها المائية على نهر النيل، مقارنة بامتلاك بقية دول الحوض الأخرى لمصادر مائية بديلة يمكن اللجوء إليها، بما يجعل مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول الذي تضمنته الاتفاقية بغرض توزيع حصص المياه، مجتزءا من سياقاته دون موازنته بمبادئ الحقوق المكتسبة، وعدم الضرر، والاحتياجات المائية المتباينة لدول حوض النيل، منها مصر التي تعاني بالأساس تهديدا متصاعدا، لا سيما بعد أن بلغ نصيب الفرد 700 متر مكعب من المياه سنويا.

اعترضت القاهرة على طريقة التصويت بالثلثين في الاتفاقية، وتمسكت في المقابل بأسلوب الإجماع، خاصة وأن قضايا المياه ذات طبيعة مصيرية للدول والمجتمعات، وينبغي أن تعكس إرادة توافقية مشتركة في حوض نهر النيل.

أضف إلى ذلك الإصرار المصري على الإخطار المسبق قبل قيام أي دولة في حوض النيل بمشروعات مائية تمس الدول الأخرى، وهو ما ترفضه دول أخرى مثل إثيوبيا من منطلق السيادة على أراضيها، وما يتنافى مع القواعد الدولية المنظمة للأنهار الدولية بالنظر لمبدأ عدم الضرر بين الدول المتشاطئة.

ثمة سياقات محفزة شكلت دفعا باتجاه اللجوء إلى مناقشة قضايا حوض النيل على المستوى الرئاسي لحل الخلافات حول اتفاقية عنتيبي.وتشمل أولا مأزق الموارد المالية، حيث تواجه مبادرة حوض النيل منذ نشوب الخلافات بين دول المصب والمنبع حول اتفاقية عنتيبي، انحسارا للموارد المالية اللازمة لإنفاذ المشروعات المشتركة في حوض النهر.

فقد امتنعت الجهات الدولية المانحة، لا سيما البنك الدولي، والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وغيرهما عن تمويل مشروعات المبادرة التي تأسست في العام 1999، ويصر هؤلاء المانحون على أنه لا يمكن تمويل مشروعات الحوض ما لم توقع جميع الدول على الإطار القانوني والمؤسسي لاتفاقية عنتيبي.

ثانيا، الدور الرئاسي في أزمة سد النهضة، حيث شكل ذلك عاملا حاكما في التوصل إلى أرضية مشتركة في بعض خلافات دول حوض النيل، فقد وقع رؤساء كل من مصر والسودان وإثيوبيا وثيقة اتفاق مبادئ حول سد النهضة في مارس 2015، بعدما لم تنجح المباحثات الفنية والوزارية في بناء الثقة بين البلدان الثلاثة.

مجمل التوقعات تتجه حول قمة حوض النيل إلى أن العودة المصرية لا تعني الموافقة على اتفاقية عنتيبي

حوت تلك الوثيقة عدة بنود تؤكد التعاون والتشاور والمنفعة المشتركة وتفهم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب وعدم التسبب في الضرر وغيرها، دون إغفال وجود بعض الإشكاليات، منها مثلا مدى التزام أديس أبابا ببنودها على أرض الواقع خاصة ما يتعلق بمسألة إدارة تشغيل وملء السد ومسار الدراسات الفنية، فضلا عن عدم الإشارة إلى أي بنود تتعلق بحصة مصر المائية التاريخية، بخلاف أن الوثيقة شكلت اعترافا مصريا بسد النهضة وكرست لمنطق أديس أبابا في إعلاء فكرة السيادة على حساب الإخطار المسبق.

ويتمثل العنصر الثالث في استعادة الدور المصري لزخمه الأفريقي، فالسياقات الراهنة التي تشهد نشاطا مصريا في القارة السمراء تختلف عن تلك الفترة التي تلت تجميد مصر لمشاركتها في مبادرة حوض النيل في العام 2010، فأعقب اتفاقية عنتيبي نشوب ثورة يناير 2011 ما أدى إلى انكفاء مصر على مشكلات الداخل لمواجهة عدم الاستقرار، وتعرضت لتجميد عضويتها في الاتحاد الأفريقي إثر ثورة 30 يونيو 2013.

بموازاة ذلك، سعت مصر لتطوير العلاقات الثنائية المشتركة، سواء مع إثيوبيا وأوغندا وكينيا وجنوب السودان وغيرها أو مع أجهزة وهياكل الاتحاد الأفريقي، كما كثفت القاهرة من زيارات لدول حوض النيل، (الرئيس السيسي زار أوغندا في ديسمبر 2016، ونيروبي في فبراير 2017، وشارك في قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا في يناير 2017).

ورابعا فقد برزت مساعي إثيوبيا لتأمين استثمارات السدود المستقبلية، حيث استغلت أديس أبابا خلل القوة الإقليمية لصالحها، ولو ظرفيا مع مصر إبان ثورة يناير، سواء في مسألة حشد جهود دول المنبع عبر اتفاقية عنتيبي أو فرض واقع في العام 2011 عبر مشروع سد النهضة لتوليد الطاقة الكهرومائية بقدرة 6 آلاف ميجاوات وبسعة تخزينية تقدر بـ74 مليار متر مكعب، وعمق ذلك أن الموقف السوداني ذاته بدا ميالا، بل وفي بعض الأحيان مدافعا عن وجهة النظر الإثيوبية في بناء السد.

لم يمنع ذلك إثيوبيا من الاتجاه لتوقيع اتفاق المبادئ مع مصر والسودان كي تملك سندا سياسيا يمكن أن يساعدها في جلب التمويل الدولي لسد النهضة، ومشروعات أخرى للسدود تعتزم بناءها على نهر النيل، فالهدف من تلك المشروعات تحويل هذا البلد إلى دولة منتجة ومصدرة للطاقة الكهرومائية في شرقي أفريقيا، ما يؤدي إلى فرض معادلات قوة إقليمية في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، تؤثر على مصالح مصر في هذه المناطق التي تشهد في الوقت عينه تنافسا إقليميا ودوليا.

لا يمكن لأديس أبابا فرض أهدافها كليا في حوض النيل بالأمر الواقع، كما حدث في سد النهضة الذي أوشكت على الانتهاء منه بعد استعادة مصر لنفوذها نسبيا في القارة وتطوير شراكاتها الإقليمية والدولية.

مواقف بعض دول المنابع، مثل إثيوبيا، يظل عائقا أمام إمكانية بناء إطار تعاوني جديد يتجاوز عنتيبي

طروحات جديدة

تتجه مجمل التوقعات حول قمة حوض النيل إلى أن العودة المصرية لا تعني الموافقة على اتفاقية عنتيبي، بل ترتبط بمحاولة بناء استراتيجية جديدة تتجاوز الخلافات حول هذه الاتفاقية، عبر طرح إطار تعاوني جديد يشكل حلا إقليميا متوازنا يحقق المصالح المشتركة لدول المنبع والمصب، يضمن للأولى الاستفادة التنموية من النهر، ولا ينكر على الثانية حصصها المائية المكتسبة، ولا يمسها بأضرار في أمنها المائي.

وتضمن إعادة صياغة مبادئ لمبادرة حوض النيل، تكريس معادلة “التنمية العادلة المرضية”، عبر التنسيق في مشروعات السدود وتحويلها إلى بنية إقليمية وتنموية مشتركة في شرق أفريقيا، فضلا عن التركيز على مشروعات الفواقد المائية من نهر النيل، خاصة إذا علمنا أن ما يستغل من النهر لا يصل إلا إلى 10 بالمئة فقط.

لعل ذلك يشكل امتدادا للخطاب المصري تجاه القضية المائية، الذي برز في تعامله مع قضية سد النهضة، وتعزز أكثر في توثيق العلاقات مع دول حوض النيل، بما أمكن بناء بيئة إقليمية تتفهم نسبيا الموقف المصري الذي يسعى للموازنة بين مبدأ عدم الضرر والانتفاع المنصف، دون إغفال أن بعض المبادئ التي أقرتها القاهرة في اتفاق سد النهضة لا يمكن تطبيقها كليا على إطار عام قد يشمل كافة موارد حوض النيل ومشروعاتها المستقبلية.

ربما ما يساعد القمة الرئاسية على تجاوز أزمة عنتيبي أن أوغندا، كدولة مستضيفة للقمة، صاغت مواقف وسيطة نسبيا لدول المنبع والمصب، فعلى سبيل المثال اقترحت من قبل صياغة وسط للفقرة 14 ب المتعلقة بالأمن المائي، بحيث تكون قائمة على عدم الإضرار بالاستخدامات الفعلية (أي الحصة الحالية لمصر والسودان)، أو المستقبلية (حق دول المنابع في إقامة مشروعاتها المستقبلية).

وتظل مواقف بعض دول المنابع، مثل إثيوبيا، عائقا أمام إمكانية بناء إطار تعاوني جديد يتجاوز عنتيبي، وإن كان تغير الظروف الإقليمية والدولية في حوض النيل يشكل دافعا لأديس أبابا للمناورة وعدم قطع الطريق على الإطار المحتمل طرحه أمام القمة الرئاسية، طالما وجدت فيه مكاسب يمكن أن تدعم استراتيجية بناء السدود، وهو ما سوف تكشف عنه الأيام المقبلة.

باحث مصري في الشؤون الأفريقية

7