هل تتجاوز مصر محنتها؟

الاثنين 2014/01/06

هل يمكن لمصر تجاوز محنتها والعودة إلى لعب دورها الطبيعي في المنطقة بصفة كونها صاحبة وزن على الصعيد الإقليمي وذلك في وقت غاب فيه أي نوع من التوازن عن الشرق الأوسط؟

لا مفرّ من الاعتراف بأنّ التغيير الذي شهدته مصر كان بين أهمّ أحداث السنة 2013. تغيّرت مصر نحو الأفضل من دون أن يعني ذلك أنّ الحكم الجديد في مصر لا يواجه صعوبات وعراقيل كثيرة. ولكن من الواضح في الوقت ذاته أنّ هذا الحكم منبثق عن ثورة شعبية حقيقية انتزعت مصر من الإخوان المسلمين الذين أرادوا استغلال صناديق الاقتراع من أجل الاستيلاء على مؤسسات الدولة وتحويلها إلى مؤسسات خاضعة كلّيا للحزب الواحد الذي يعدُّ نفسه لحكم مصر إلى أبد الآبدين. كشفت تصرّفات الإخوان أنّ هدفهم تكرار تجربة العسكر ولكن على طريقتهم.

ما شهدته مصر يتلخّص بأنّ هناك، بكلّ بساطة، مؤسسة عسكرية مصرية قرّرت الانحياز إلى الشعب المصري. لم تدافع هذه المؤسسة في الماضي القريب، عن نظام حسني مبارك، علما أنه نظام عسكري منبثق أصلا عنها. أخذت المؤسسة العسكرية موقفا معارضا للجوء إلى القوّة والعنف في الأيام التي سبقت انتصار “ثورة الخامس والعشرين من يناير”. توصلت إلى تفاهم مع المشاركين في تلك الثورة، بمن فيهم الإخوان، بما جنّب مصر الويلات والدماء.

تركت المؤسسة العسكرية الأحزاب والقوى السياسية تعمل وتتحرّك طوال سنتين ونصف السّنة. تبيّن، في نهاية المطاف، أن الإخوان المسلمين خطفوا “ثورة الخامس والعشرين من يناير”. كانت كلّ الوعود التي أطلقوها طوال سنتين ونصف سنة مجرّد كلام جميل يستهدف توفير الغطاء الذي يسمح لهم بوضع اليد على مؤسسات الدولة. الأهمّ من ذلك كلّه، أن الإخوان لم يطرحوا أيّ مشروع سياسي أو اجتماعي له معنى. كانت سنة واحدة من حكم الإخوان الذي يرمز إليه وجود محمد مرسي في رئاسة الجمهورية، أكثر من كافية كي يصبح البلد العربي الأهمّ على شفير الهاوية. كان المشروع الإخواني الوحيد الذي طفا على السطح وظهر على حقيقته، يتمثّل في الاستيلاء على السلطة وتفريغ مصر من بقية المؤسسات العريقة التي ورثها العسكر عن النظام الملكي. كان على رأس هذه المؤسسات السلطة القضائية بكلّ ما تمثله من هيبة. إذا كان من إيجابيات تجمع بين جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، فانّ الابتعاد، إلى حدّ ما طبعا، عن التدخّل في شؤون القضاء كان قاسما مشتركا بين العسكريين الثلاثة الذين حكموا مصر بين 1952 وآخر السنة 2010.

رفض الشعب المصري في أكثريته الساحقة حكم الإخوان. كشفت سنة واحدة من رئاسة محمد مرسي حقيقة الإخوان وعرّتهم، خصوصا بعدما باشروا الانفتاح على إيران التي زار رئيسها وقتذاك، محمود أحمدي نجاد القاهرة وشرع أبواب مصر أمام استقبال سيّاح إيرانيين ليست معروفة وظيفتهم الحقيقية. هل هم سيّاح أم لديهم مهمّات من نوع آخر؟

في كلّ الأحوال، ظهر للمصريين أن بلدهم ذاهب إلى الخراب، وأن كلّ ما يقال عن نظام جديد أفضل من نظام حسني مبارك هراء في هراء. افتقد المصريون قبل كلّ شيء الأمن. تنبّهوا إلى أن المشروع الوحيد الذي لدى الإخوان كان مشروع غزّة.. أو مشروع “حزب الله” في لبنان.

كان مشروع الإخوان، ولا يزال، يتلخّص في الاستعداد لبيع مصر بالجملة والمفرق لكلّ طرف يستطيع إبقاءهم في السلطة، أكان هذا الطرف الولايات المتحدة أو اسرائيل، أو أيّ جهة يمكن أن تخدم هذا الغرض.

ليس لدى “حزب الله” من مشروع سوى تحويل لبنان إلى تابع لإيران، وإفقار اللبنانيين ونشر اليأس في البلد بكلّ الوسائل الممكنة، بما في ذلك الاغتيالات.

أمّا مشروع «حماس»، فيقوم أساسا على نشر البؤس والجهل في كلّ مكان وفي كلّ الأوساط بهدف تسهيل عملية قمع المواطن وتركيعه. مضى ما يزيد على سبع سنوات على استيلاء «حماس»، وهي النسخة الفلسطينية للإخوان المسلمين، على غزّة. ما النتيجة؟ هناك رغبة في تبرير كلّ التصرّفات الإسرائيلية التي تجعل الحصار الظالم المفروض على القطاع يستمرّ إلى ما لا نهاية. يترافق ذلك مع رغبة في تصدير الإرهاب إلى مصر وجعل الفوضى تسود في سيناء. وقد كشف وزير الداخلية المصري ذلك بالأسماء والتواريخ ونوع التدريبات التي خضعت لها عناصر الإخوان في القطاع من أجل تنفيذ عمليات إرهابية في مصر.

كلّ ذلك، من أجل البقاء في السلطة بغض النظر عن كلّ ما يتعرّض له المواطن العادي الذي نسي أنه كان هناك مطار شبه دولي في غزة ومعابر آمنة في مرحلة ما، لم يمرّ عليها الزمن بعد. ما شهدته مصر في السنة 2013 يوفّر بعض الأمل. هناك أمل في نجاح شعب عربي في التصدي لإدارة أميركية على رأسها باراك أوباما لا همّ لها سوى مسايرة إيران من جهة، وحماية الأمن الاسرائيلي من جهة أخرى. وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير ذلك “الاستقتال” الأميركي في الدفاع عن الإخوان في مصر على الرغم من الثورة الشعبية التي شهدها البلد في الثلاثين من حزيران- يونيو الماضي. لا تريد الإدارة الأميركية رؤية المشهد المصري على حقيقته. ترفض الاعتراف بأنّ ملايين المصريين نزلوا إلى الشارع في كلّ أنحاء البلد للتعبير عن رفضهم للإخوان المسلمين ونظام الحزب الواحد.

أكثر من ذلك، ترفض الإدارة الأميركية الاعتراف بأنّ الإخوان لجأوا إلى العنف وشجّعوا عليه من خلال التعاون القائم بينهم وبين «حماس».

ما يمكن أن يدعو إلى التفاؤل أن الشعب المصري يعرف ماذا يريد. يريد التصدّي للإخوان وللعنف الذي يمارسونه. لن تكون مهمّة الحكم الجديد سهلة. ولكن بما أن لكلّ شيء بداية، كان لا بدّ للمؤسسة العسكرية من دعم الشعب المصري. إنها مجرّد بداية. ما تحتاجه مصر قبل كلّ شيء هو الحاجة إلى الأمن ثم إلى الرغيف. وبعد ذلك، يمكن التفكير في كيفية إعادة إحياء الاقتصاد وإنعاش حركة السياحة التي تعرّضت لنكسة كبيرة.

كذلك، ما يمكن أن يدعو إلى التفاؤل أن العرب لم يتخلّوا عن مصر في الظروف الصعبة التي واجهتها. بادرت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى دعمها فور انتزاع الشعب المصري البلد من براثن الإخوان المسلمين. تلا ذلك دعم سعودي سخيّ ثم دعم كويتي كبير.

لم يقصّر العرب مع مصر. زارها كبار المسؤولين في الإمارات، على رأس هؤلاء الشيخ محمّد بن زايد وليّ عهد أبو ظبي، كذلك زار القاهرة مسؤولون سعوديون في غاية الأهمّية، ورجل شجاع اسمه الملك عبدالله الثاني لم يقصّر يوما في دعم الشعب المصري على الرغم من أنّ الأردن بلد فقير ويواجه بدوره صعوبات وتعقيدات.

نعم، هناك أمل لمصر. هذا الأمل يعني بكلّ بساطة أن في الإمكان التفكير في عودة بعض التوازن إلى منطقة الشرق الأوسط من منطلق أن هناك مشروعاً آخر لمصر غير مشروع «حماس» في غزة و”حزب الله” في لبنان.

إعلامي لبناني

8