هل تتحمل الزوجة لوحدها مسؤولية عقوق الزوج لوالديه؟

ظاهرة مجتمعية يتحول معها الابن إلى شخصية جاحدة وناكرة للجميل.
الأربعاء 2020/12/30
تسلط الزوجات يؤدي إلى عقوق الأزواج لآبائهم

غالبا ما تُحمّل المجتمعات العربية مسؤولية عقوق الزوج لوالديه إلى الزوجة، حيث يؤكد الكثيرون أن الزوجة هي التي تحرّض الزوج وتشجعه على عدم زيارتهما ومساعدتهما من الناحية المادية بعد كل ما بذلاه في سبيل تربيته وتحقيق نجاحه المهني.

يرى البعض أن الزوجة التي تتسم شخصيتها بالتسلّط غالبا ما تسعى إلى وضع حواجز بين الزوج ووالديه اللذين هما في أشد الحاجة إليه عند تقدّمهما في السن. ويشتكي آباء وأمهات كثر من حرمانهم من أبنائهم الذين نادرا ما يقومون بزيارتهم ولا يتفقدون احتياجاتهم ولا يسعون إلى إرضائهم، حتى أن البعض منهم يعبّرون عن اشتياقهم لهم، كما أن الكثيرين منهم لا يعرفون منازل أبنائهم.

ويؤكد البعض أن الزوجات هن دائما السبب في جفاء الأبناء لآبائهم، مما يهدد الاستقرار الداخلي للأسر ويشيع الجفاء بين أفرادها.

وقالت الستينية إيمان العامري إن ابنها الذي ضحّت من أجله كثيرا في سبيل نجاحه وبلوغه أعلى المراتب لم تلق منه ما كانت تنتظره حتى أنه لا يسأل عنها ولا يهتم لتلبية حاجياتها المادية والمعنوية. وتلقي إيمان باللوم على زوجة ابنها، حيث ترى أنها السبب في جفائه .

ويؤكد استشاريو العلاقات الأسرية أن مشكلة عقوق الأبناء للآباء تعتبر من المنغصات الأسرية التي تجعل البيوت الآمنة مضطربة وغير مستقرة نفسيا وتربويا، لافتين إلى أن الزوج الذي يختار زوجة سيئة مسيطرة ومتسلطة في بداية حياته فقد يؤثر ذلك على علاقته بوالديه، مشيرين إلى أن ذلك قد يكون من أهم أسباب انتشار العقوق كظاهرة مجتمعية يتحول معها الابن إلى شخصية سيئة ناكرة للجميل وجاحدة.

وأشاروا إلى أن الأمهات خاصة يشتكين جفاء وقطيعة الأبناء بعد زواجهم، ومنهن من تدعي هروب ابنها بأسرته عنها، إلا أنه في الكثير من الحالات قد تكون أسباب قطيعة الأبناء لتفادي ضرر تسلّط الأمهات، حيث أن بعض الأمهات يفرضن أوامر يصعب تحقيقها مثل أن يُخيّر الابن بين رضا أمه أو البقاء مع زوجته.

وأكد المختصون أن بعض الزوجات يعملن على قطع صلة الترابط بين أزواجهن وأسرهم ويسعين جاهدات إلى الاستحواذ على الأزواج واعتبارهم ملكا خاصة بهن ولا يحق لهم التواصل مع آبائهم بصفة متواصلة، مستغلات ضعف شخصية الأزواج الذين يجدون أنفسهم غير قادرين على تحقيق التوافق بين زوجاتهم ووالديهم.

الطيب الطويلي: الزوجة تعتبر غالبا في نظر عائلة الزوج شخصا دخيلا
الطيب الطويلي: الزوجة تعتبر غالبا في نظر عائلة الزوج شخصا دخيلا

ولفتوا إلى أن الكثير من الزوجات يسعين إلى الاستقلالية التامة عن أسر أزواجهن، وعلى الرغم من قدرة الكثيرين منهم على تحقيق التوازن، إلا أن علاقات عدة يغلب عليها الجفاء ولا يجد الابن حرجا في عقوق والديه.

وأكدوا أن تسلط الزوجات يؤدي إلى عقوق الأزواج لآبائهم، وقد يكون ذلك وليد ضعف شخصية الرجل وقلة حزمه ونقص خبرته في الحياة.

وأضافوا أن تربية المرأة في أسرة تكون فيها الأم متسلطة تكسبها تلقائيا صفة التسلط، فتحاول جاهدة إلغاء دور الزوج وعلاقته بعائلته.

وأكد الدكتور الطيب الطويلي، المختص في علم الاجتماع، أن تحميل الزوجة مسؤولية عقوق الزوج لوالديه يرجع غالبا إلى التوتر الأزلي للعلاقة بين الزوجة والحماة العائد إلى التنافس على قلب الرجل وعقله، وكذلك إلى الاختلافات بين الأجيال على مستوى التفكير والممارسة الأسرية والتي تولّد في أحيان كثيرة أجواء متوترة قد تلقي بظلالها على علاقة الزوج بوالديه.

وأوضح الطويلي لـ”العرب”، أن “دخول الزوجة كعنصر جديد على العائلة الأساسية قد يمثل مشكلة على مستوى الاندماج الأسري بحكم اختلاف الطباع والعادات والممارسات، فقد تتنافر طباعها وسلوكياتها مع الحماة أو بعض أفراد العائلة الآخرين، مما يسبب مشكلة ويؤدي إلى القطيعة بينها وبين عائلة زوجها، وينساق بعض الأزواج وراء زوجاتهم ولا يعيرون بر والديهم أي اهتمام”.

وبيّن الطويلي أن الزوجة تعتبر غالبا في نظر عائلة الزوج شخصا دخيلا على الأفراد الذين يكوّنون البنية الأساسية للعائلة، وهي مع ذلك تستأثر بالاهتمام المعنوي والمادي، وهو ما يخلّف نوعا من الغيرة لدى الأمّ التي تعوّدت أن تكون المؤثر الأساسي على ابنها والحاكم الفعلي له، كما أنها تعودت أن تأمره وتتعامل معه بحدة أحيانا. وتتناسى الأم أن ابنها أصبحت له حياته الخاصة وتواصل تعاملها الفوقي معه حتى بعد زواجه ومع زوجته أيضا باعتبارها تمثّل في نظرها امتدادا أو تابعة له.

وأكد المختص التونسي أنه غالبا ما تقابل تدخلات الأم وتصرفاتها الآمرة برفض من الزوجة التي قد لا تحترم عامل السن والأمومة وتتعامل مع حماتها بندية، وتسعى إلى التأثير على زوجها لتكون علاقته محدودة بعائلته.

وكشفت التجارب أن بعض الأبناء يتنكرون لوالديهم بعد الزواج وقد لا ترغب الزوجة في أن يحب زوجها أهله ويزورهم ويتقرّب منهم ولا تولي أي اهتمام إذا قصّر في حقهم.

وغالبا ما تكون العلاقة السيئة بين الزوجة وأهل زوجها في بداية حياتها الزوجية سببا في هذا الجفاء. وأشار الخبراء إلى أن العلاقة مع أهل الزوج قد تشكل تهديدا حقيقيا للزواج السعيد. فمن الأهل من يواجهون صعوبة في الاقتناع بفكرة زواج أبنائهم وانفصالهم عنهم ومن ثم فإنهم يتدخلون في حياتهم بعد الزواج مما يثير المشكلات التي قد تصل حد القطيعة. وفي أحيان كثيرة يقف الزوج في صف زوجته خاصة عندما يدرك مدى تعرضها للظلم والاضطهاد من قبل أفراد أسرته وخاصة من الأم والأخوات.

وقال أخصائيو علم الاجتماع إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يؤثر في الآخرين ويتأثر بهم، فالجميع محاط بشبكة من العلاقات الاجتماعية الممتدة والمتشعبة فيها الأقارب والأهل والأصدقاء والزملاء، وكل واحد من هؤلاء له تأثير ما علينا وعلى علاقاتنا بشكل أو بآخر.

وبيّنوا أن الزواج ليس ارتباطا بين المرأة والرجل فحسب وإنما هو علاقة بين عائلتين، لكنهم يؤكدون أنه في بعض الأحيان تنجم المشاكل الزوجية بسبب التدخل العائلي في شؤون الزوجين. وهنا يأتي دور الرؤية المشتركة للزوجين وكيفية ترتيب علاقتهما مع الآخرين من الأقارب والأصدقاء. فيتفق الزوجان منذ البداية على شكل العلاقة مع أهل الزوج أو الزوجة على السواء، وطبيعة الزيارات وقواعد التعامل مع الأهل والترتيب جيّدا لمواعيد الزيارات وكيف سيبرّ كل منهما أهله بعد زواجهما وغيرها من الأمور التي قد تكون سببا في إثارة المشاكل.

وأشار الخبراء إلى أن المعاملة الجيّدة للآباء لها بالغ التأثير على العلاقة بين الزوجين، كونها تسهم في تجنيب الأبناء عقوق الوالدين وتعمل على تقوية صلة الرحم، لكنهم لم ينكروا أنها لا تخلو من جوانب سلبية، منبهين إلى أن هناك الكثير من العلاقات تكون فيها الزوجة سببا في هذه القطيعة أو العقوق.

ويرى الدكتور مدحت عبدالهادي، استشاري العلاقات الزوجية والأسرية، أن اكتساب الشخصية المتسلطة يعود بشكل كبير إلى أسلوب التربية، فهناك الكثير من الزوجات اللاتي اكتسبن التسلط والشخصية القوية نتيجة تأثرهن بأمهاتهن، حيث نشأن واعتدن على أن تتقلد أمهاتهن زمام الحياة الزوجية مع آبائهن، وغالبا ما يكون الأب ضعيف الشخصية وتابعا تماما للزوجة، فتسعى الأخيرة إلى أن تزرع في ابنتها هذه المعاني منذ ولادتها وأن تخلق من ابنتها نسخة مصغرة منها.

وقال المختصون إن تحكم الزوجة في العائلة بغض النظر عن رأي زوجها أو إرادته، يعطي انطباعا سلبيا عن العلاقة الزوجية أمام الآخرين، خاصة في المجتمعات الشرقية التي اعتادت أن تكون الكلمة الأولى والأخيرة للزوج.

وبينوا أن الزوجة المتسلطة لا تتحكم في علاقتها بزوجها وبأسرتها فحسب، بل تتخذ القرارات الخاصة بزوجها عنه دون مراعاة لمشاعره ورغباته وإرادته بما في ذلك طبيعة علاقته بوالديه.

21