هل تتحول إيطاليا نحو سياسة الرهان المتوازن في ليبيا

رؤى ومواقف اليمين الإيطالي ستكون حاضرة بشكل أو بآخر في القضايا الخارجية ومنها الملف الليبي.
الثلاثاء 2018/03/27
الأحزاب اليمينية الصاعدة في إيطاليا تشكك في فعالية الاتفاق مع حكومة السراج

يلقي تغير المعادلة السياسية في المشهد الإيطالي، إثر الانتخابات التي جرت في الرابع من مارس 2018 وأفضت إلى فوز حركة خمس نجوم الاحتجاجية وحزب رابطة الشمال اليميني المتشدد، بينما قضت على الحزب الديمقراطي الحاكم (يسار الوسط)، بظلاله على التعامل الإيطالي مع الملف الليبي.

وثمة إجماع عام بين الأحزاب السياسية الإيطالية، سواء من اليمين الليبرالي، أو اليسار الاشتراكي، أو حتى الشعبويين على ضرورة بلورة دور إقليمي أكبر لروما من خلال تركيز التوجه الخارجي صوب الملف الليبي، لكن مكمن الخلاف يدور بالأساس حول أدوات ذلك التوجه ومدى فاعليته في تحقيق المصالح الإيطالية في ليبيا.

استطاع الحزب الديمقراطي، خلال قيادته للحكومة، إبان حكم ماتيو رينزي، ثم باولو جنتيلوني، صياغة دور إيطالي لافت في ليبيا في الأعوام الماضية، عبر دعم حكومة الوفاق الليبي وحلفائها في الغرب والتوصل إلى مذكرة تفاهم مع رئيسها فايز السراج للحد من الهجرة غير الشرعية في فبراير 2017، والتواجد العسكري البحري قبالة طرابلس، ثم التوغل كوسيط في دينامكيات الصراع القبلي في جنوب ليبيا، وتوسيع التواجد العسكري ليشمل إرسال جنود إيطاليين إلى النيجر للحد من ارتباط تهديدات الهجرة والإرهاب في الساحل الأفريقي مع جنوب ليبيا.

لكن، مع تصاعد تيار اليمين بشقيه الوسط والمتطرف، حيث حصدت أحزاب ذلك التيار أصواتا ومقاعد مؤثرة في مجلسي النواب والشيوخ بما يوفر لها القدرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة في هذا البلد من داخل البرلمان أو الحكومة المقبلة.

يظهر المشهد الراهن أننا أمام سيناريوهات معقدة لتشكيل الحكومة المقبلة بعد نتائج الانتخابات الأخيرة، بل وببرلمان غير مستقر يفتقد للانسجام، مع عدم حصول أي حزب على أغلبية تمكنه من فرض توجهاته في القضايا الخارجية، فضلا عن صعوبة نشوء تحالفات، خاصة بين حركة الخمس نجوم الشعوبية ورابطة الشمال.

لكن في المقابل فإن رؤى ومواقف اليمين الإيطالي عامة ستكون حاضرة بشكل أو بآخر في القضايا الخارجية ومنها الملف الليبي، فحركة الخمس النجوم مثلا تنادي بأن يكون لروما الصوت الأعلى في ما يجري بليبيا، لكون هذه الأخيرة تعد نطاقا حيويا يحمي المصالح الأمنية والاقتصادية، بخلاف تشابك تلك المصالح مع علاقات إيطاليا بقوى إقليمية ودولية متنافسة على الساحة الليبية.

ووجهت الأحزاب اليمينية انتقادات لحكومتي رينزي وجنتيلوني في تحركاتها الخارجية إزاء ليبيا حيث كان هناك رفض داخل اليمين الإيطالي خاصة المتطرف للدعم المفرط الذي اعتمدته حكومتا رينزي ثم جنتليوني على حكومة الوفاق الليبي في الأعوام الثلاثة الأخيرة، مقارنة بتحالفاتها شرقا، خاصة بمجلس النواب والجيش الوطني بزعامة المشير خليفة حفتر، رغم مساعيها تخفيض التوتر مع الأخير باستقباله مرتين في روما خلال العام الماضي.

وطال انتقاد الأحزاب اليمينية دعم الحكومة الإيطالية لدور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في تسوية الأزمة الليبية، فعلى سبيل المثال، اعتبر لويجي دي مايو زعيم حركة الخمس نجوم أن الحكومة تراهن على الشخصية الخطأ في ليبيا (فايز السراج)، ورأى أن المجتمع الدولي لا يتمتع بمصداقية كافية لإحلال السلام في هذا البلد، بحسب وجهة نظره، ويعتقد لويجي أن السلام في ليبيا يتحقق أكثر عبر مؤتمر للقبائل الليبية.

لويجي دي مايو: الحكومة الإيطالية تراهن على الشخصية الخطأ لحل الأزمة في ليبيا
لويجي دي مايو: الحكومة الإيطالية تراهن على الشخصية الخطأ لحل الأزمة في ليبيا

وشككت هذه الأحزاب في فعالية الاتفاق الإيطالي مع حكومة السراج للحد من الهجرة وانتقدت ما جرى في أعقابه من فتح لملفات تعذيب المهاجرين في مراكز الإيواء الليبية، ما دفع آنذاك جورجيا ميلوني إلى القول إن حل مشكلة الهجرة يكمن في احترام كرامة الإنسان، وليس انتهاكها، في إشارة إلى سياسات الحزب الديمقراطي.

كما تباينت مواقف أحزاب اليمين إزاء تعزيز التواجد العسكري الإيطالي في ليبيا، فبينما نال قرار البرلمان في يناير الماضي حول زيادة جنود إيطاليين في ليبيا، ونشر 470 آخرين في النيجر، دعما من حزب برليسكوني، عارضت حركة الخمس نجوم ذلك القرار، في إطار رفضها لأي تدخلات عسكرية خارجية.

ونستنتج من القراءة الأولية لمواقف اليمين الإيطالي المنتقدة لسياسة يسار الوسط تجاه الأزمة الليبية، بأن هناك احتمالا لتشكيل تحالفات مع حكومة الشرق، خاصة حفتر لنيل دعم أكبر من حكومة سيقودها اليمين الإيطالي، بما قد يمكنه من الضغط أكثر على حكومة السراج وفرض شروطه على تعديلات اتفاق الصخيرات في الخطة الأممية المتعثرة.

لكن سيكون من الصعب تجاهل ما حققته حكومات يسار الوسط من نفوذ في ليبيا، لذلك ستتوجه الحكومة الإيطالية الجديدة إلى دعم سياسة متوازنة بين الفرقاء الليبيين المختلفين (السراج وحفتر)، وينطلق الاتجاه الإيطالي لدعم حكومة الوفاق وحلفائها في الغرب من أن منطقتي الغرب والجنوب الأكثر تأثيرا في حسابات مصالح روما في ليبيا، لكونهما المصدر الأساسي لعبور المهاجرين واللجوء القادم من أفريقيا باتجاه سواحل المتوسط، بخلاف استثمارات الغاز والطاقة.

وقد يحظى تشكيل الفريق الحكومي القادم بمتغيرات جديدة منها حدوث ائتلاف اضطراري بين تحالف يمين الوسط، والحزب الديمقراطي الخاسر، ولا سيما مع رفض حزب رابطة الشمال، أي تشكيل حكومي تشارك فيها حركة الخمس نجوم. وفي حال تحقق ذلك السيناريو الذي تدعمه قوى يمينية في الاتحاد الأوروبي، فإن السياسة الخارجية الإيطالية ستكون أكثر توازنا تجاه أطراف النزاع الليبي، مع وجود ممثلين من يسار الوسط في الحكومة.

والأهم من ذلك، ما أجلته الانتخابات الإيطالية، مع صعود برليسكوني من خلال قيادته لتحالف يمين الوسط، ومع أن الرجل لن يتولى أي منصب رسمي حتى عام 2019، لإدانته بالتهرب الضريبي، لكنه قد يلعب دورا في دعم رئيس الحكومة القادم، وسيؤثر في التوجهات الإيطالية تجاه الملف الليبي.

صحيح أن برليسكوني الذي كان رئيسا للوزراء وقت ضرب قوات الناتو لمعمر القذافي وقد سمح باستخدام القواعد العسكرية لبلاده في هذه الحملة العسكرية في عام 2011، إلا أنه تأثر كغيره من الزعماء الأوروبيين بالفوضى التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، واعتبر في حديث تليفزيوني إن” ذلك الأمر كان ضربا من الجنون، أي إسقاط القذافي، وأنه كافح ضد هذا القرار”.

ومن المتوقع أن يسهم صعود برليسكوني في تكريس سياسة الرهان المتوازن بين حفتر والسراج، لما يملكه الرجل من علاقات مع قوى وقادة قبليين من أنصار القذافي، الذين يتنامى دورهم في الساحة الليبية في واقعها الراهن مع الإفراج عن سيف الإسلام القذافي في منتصف العام الماضي، مع تصاعد الحديث عن احتمال ترشحه في الانتخابات القادمة واستيعاب أنصاره في الخطة الأممية لغسان سلامة (المبعوث الأممي لليبيا).

وإذا تم الربط بين صعود برليسكوني وتحفظ اليمين الإيطالي على دعم كامل للسراج والدفع باللجوء إلى العامل القبلي بقوة في المعادلة الليبية، فإن ذلك يكشف توجها لسياسة متوازنة محتملة لروما بعد الانتخابات.

ويستدعي الانتقال الإيطالي المحتمل من سياسة الرهان المفرط إلى المتوازن في ليبيا، اللجوء إلى ثقل القاهرة ودورها المؤثر في شرق ليبيا، مع تحالفها مع حفتر وسعيها لتوحيد مؤسسات الدولة الليبية المنقسمة. وينسحب المنطق ذاته على التعاون الإيطالي مع الجزائر في ليبيا، لما تملكه من ثقل في مناطق الغرب والجنوب الليبي.

ويمتد التأثير المحتمل لنتائج المشهد الانتخابي الإيطالي إلى العلاقات مع القوى الدولية المتنافسة على ليبيا، مثل فرنسا، فبقدر ما يشكل صعود قوى اليمين واليمين المتطرف في إيطاليا إحباطا لمشروع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإصلاح الاتحاد الأوروبي، فإنه يعطي دفعا أكبر لتوسيع حدة التنافس مع باريس حول ليبيا، مع مساعي ماكرون لتنشيط دور بلاده عبر الوساطة المتوازنة، كما برز العام الماضي إبان استضافته لحفتر والسراج أو ربطه بالنفوذ الفرنسي المتنامي في الساحل الأفريقي.

6