هل تتسبب المشاعر العنيفة في تشويه الذاكرة

الأربعاء 2015/02/25
العديد من التفاصيل يمكن أن تتعرّض للنسيان

في زمن الحرب أو الأحداث الكارثية والتجارب الشخصية القاسية يتعرض الأفراد لمواقف صعبة ومعقدة تترك في نفوسهم ذكريات مريرة لا يمكن أن تمحى بتقدم الزمن، لكن بعضا من هذه الذكريات قد يصيبها التشويه أو التجميل حسب طبيعة العمليات التي تجري عليها داخل ذاكرة الإنسان المتعبة، التي قد ترفض تحمّل مزيد من هذه الصور فتعمد إلى تزويقها أو تحييدها في محاولة يائسة لتبرير قسوتها.

أكدت دراسة أميركية حديثة على أن عنف المشاعر المتأتّية بسبب صدمة نفسية والألم المرافق لها، قد يتسببان في تعطيل وتشويش عمل ذاكرتنا خاصة تلك المتعلقة بالماضي البعيد. وذهبت نتائج الدراسة التي أشرف عليها متخصصون في علم النفس إلى أن تعريض مجموعة من الأفراد المتطوعين في مجال البحث العلمي إلى صدمات كهربائية بسيطة أدى إلى حدوث تشويش في عمل ذاكرتهم المتعلقة بالأحداث التي خبروها في الماضي.

وألقت نتائج هذه الدراسة الضوء مجددا على مدى مصداقية وموضوعية روايات شهود العيان في القضايا التي تعرض في المحاكم المتخصصة بشأن جرائم شهدها بعض الناس وتسببت أحداثها المؤلمة في إحداث صدمة نفسية لهم، وبالتالي مدى مستوى التأثير الذي تحدثه هذه الصدمات النفسية العنيفة في سلامة شهاداتهم التي تعتمد على الذاكرة والتي تصف وقائع من المفترض أن تكون دقيقة.

وكان مذيع قناة “أم. بي. سي” السابق بريان ويليامز قد أشار في معرض اتهامه بتلفيق قصص إخبارية غير صحيحة عن تغطيته الحرب في العراق، إلى أن ذاكرته قد تضررت بشكل مشابه بسبب وجوده للمرة الأولى في منطقة عمليات عسكرية، حيث أدى شعوره المتعاظم بالخوف والقلق إلى اختلاط الأمور في ذهنه وبالتالي تسبب في عدم اتخاذه جانب الموضوعية والدقة اللازمتين للقيام بعمله الصحفي على أتم وجه.

إلى ذلك، أظهرت نتائج البحث الجديد أن تذكرنا لتفاصيل حدث قد يبدو عاديا من الوهلة الأولى، ربما يتبدل ويطرأ عليه بعض الاختلاف في طريقة ذكر التفاصيل في حال مررنا بخبرات شعورية عنيفة أثناء اختبارنا لهذا الحدث في وقت لاحق، مع وجود مشاعر الخوف الشديد مثلا.
البشر والحيوانات يمكنهم أن يرصدوا أحداثا وتفاصيل لا متناهية لدى مراقبتهم للمواقف التي تمثل بيئتهم

وأشارت عالمة النفس الأميركية الدكتورة اليزابيث فيلبس، التي أشرفت على عمل فريق البحث في جامعة نيويورك الأميركية، إلى أن البشر والحيوانات على حد سواء كائنات يمكنهم أن يرصدوا أحداثا وتفاصيل لا متناهية لدى مراقبتهم للمواقف التي لا تعد ولا تحصى والتي تمثل بيئتهم ومحيطها، إلا أن العديد من هذه التفاصيل يمكن أن تتعرض للنسيان عدا بعض الأحداث التي تحمل عناصر مهمة من حيث أهميتها أو قوتها، وهذه الأحداث بدورها يمكنها أن تستدعي ذكريات من الماضي لم يتم التحفظ عليها في ذاكرتنا وقت حدوثها، لكن ارتباطها بالحدث الحاضر في بعض العناصر المتشابهة هو الذي تسبب في استدعائها من مخزن الذاكرة، بمعنى أن الأحداث المستقبلية التي سترتبط بشحنات مضاعفة من المشاعر والانفعالات الحادة يمكنها أن تسترجع ذاكرتنا لأشياء نسيناها في الماضي، بشرط ارتباط الحدثين بعناصر مشتركة.

لكن ما هي الكيفية التي تستدعي بها الذاكرة أحداث الماضي العنيفة؟ في التجربة، تم عرض 60 صورة لحيوانات وأدوات مختلفة على مجموعة من المشاركين المتطوعين بلغ عددهم 120 شخصا وطلبوا منهم أن يقوموا بتصنيف هذه الصور إلى فئتين للتمييز بينها، حيث طرحت عليهم بعض الأسئلة للتأكد من مدى مصداقية وجود التفاصيل المتعلقة في كل صورة عرضت عليهم قبل دقائق قليلة.

وفي المرة الثانية تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين، حيث عرضت عليهم مجموعة أخرى من الصور لمشاهدتها وتصنيفها في حين طالعت المجموعة الثانية الصور ذاتها، مع تعريض أفرادها لصدمة كهربائية بسيطة، وهو ما وفر نوعا من المعادل الموضوعي للشعور المفرط بالخوف.

يمكن توظيف القدرة المذهلة للذاكرة الإنسانية في الرجوع إلى الماضي لتعديله أو إضافة بعض التفاصيل إلى مكوناته

وبعد مرور دقائق، طُلب من المجموعتين استذكار مجموعة كبيرة من الصور وفحص قدرتهم على تذكرها أو ارتباطها بشكل ما بالصور التي خبروها في التجربة، فتبين بأن مستوى تذكر تفاصيل الصور بين المجموعتين يكاد يكون متساويا، إلا أن اختبارا لاحقا تم إجراؤه بعد مرور 24 ساعة على الاختبار الأول أثبت أن المجموعة التي تلقت الصدمة الكهربائية كانت عبرت عن ذاكرة أقوى من خلال سرد تفاصيل أكثر ولكن بصورة مبالغ فيها وأحيانا غير واقعية للصور محل الاختبار، الأمر الذي أكد على أن النوم هو الآخر قد يلعب دورا مهما في مستوى أداء الذاكرة فيما يتعلق بحدث معين في حال ابتعاد الحدث بمسافة زمنية كافية.

وعودة إلى شهود عيان الجرائم التي تعالجها المحاكم المتخصصة، فإن البحث يسلط الضوء على عنصر الوقت -هذه المرة- باعتباره عاملا حاسما في الأمر. وينصح الباحثون بأن استجواب شهود العيان في هذا النوع من القضايا يفضل أن يتم في وقت مقارب لحدوث الجريمة، إذ أن التسويف والمماطلة قد يضران بذاكرة شهود العيان ويشوشان تفاصيل إفاداتهم، ما يحول دون استنباط الوقائع والابتعاد عن الحقيقة.

من جانبها، أكدت اليزابيث فيلبس في مقالها في مجلة “الطبيعة” على أن هذه النتائج يمكن أن توظف بصورة مثمرة في علاج الاضطرابات العصبية المتأتية بسبب حدوث صدمة نفسية عنيفة، حيث يتم توظيف هذه القدرة المذهلة للذاكرة الإنسانية في الرجوع إلى الماضي لتعديله أو إضافة بعض التفاصيل لمكوناته، تفاصيل يمكنها أن تسدل ستارة شفافة على بعض الحوادث لحماية الوعي أو على الأقل تجنيبه الانزلاق في هاوية آلام الماضي التي يسعى إلى نسيانها.

21