هل تتغير ثوابت حركة حماس الفلسطينية

قيادة حماس بدأت، الآن، تتفهم أن قضية فلسطين ليست هي قضية العرب الأولى، حيث أن حماية دولهم وضمان وجودها، قضيتهم الأولى.
الثلاثاء 2019/12/17
الواقع يفرض نفسه على توجهات حماس

تعيش حركة حماس الفلسطينية مرحلة سياسية جديدة قد تسفر تطوراتها عن تغيّرات كبيرة في توجهاتها وثوابتها الرئيسية المعروفة، وتؤدي إلى مشاهد لم نألفها من قبل، لكنها تتّسق مع قدرة الحركة على التكيّف مع المعطيات المحلية والإقليمية والدولية.

قد يكون من أهم التواريخ في مسيرة حركة حماس هو عام 1987 حين برزت كفصيل مستقل للفلسطينيين في جسم جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن كانت تعتبر منذ إنشاء الجماعة جزءا أصيلا من فصيلها المصري، خاصة أن بعض حركات التمرد والاغتيالات في مصر التي قام بها عناصر من الإخوان ضد النظام كانت تُقادُ من أعضاء فلسطينيين في جماعة الإخوان.

ثمة تاريخ آخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو 2006، العام الذي تمكّنت فيه الحركة من الفوز بأغلبية أعضاء المجلس التشريعي في الانتخابات التشريعية الثانية في التاريخ الفلسطيني، وما تلاه من تداعيات سياسية خطيرة.

بين هذين التاريخين تطوّرت قدرات حماس وتواجدت قيادتها في بلدان عربية مجاورة وغير مجاورة. وازداد التمويل والأعضاء وتحسّنت التمرينات والتسليح واعتراف الدول بها، كل ذلك لم يصل إلى قوة وانتشار وإمكانيات حركة فتح التي تمكّنت من السيطرة المطلقة على الأرض الفلسطينية التي تواجدت بها وفق اتفاق أوسلو مع إسرائيل عام 1993.

تغيّر الوضع مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في نهاية عام 2000، التي أبلت فيها حماس ومناضلوها في مقاومة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وقدّمت عشرات الشهداء ومئات الجرحى والأسرى، كما فعلت كافة التنظيمات الفلسطينية، وعلى رأسها فتح، حيث ركّز جيش الاحتلال على تحطيم قوات السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية ودوائرها الحكومية، وأصبحت حماس ندّا قويا لفتح، مدعومة من دول عربية عدة.

ساعد سوء الأحوال المعيشية وانتشار البطالة وادعاءات الفساد وانقسام الأداء الانتخابي لحركة فتح، على تمكين حماس من الفوز بغالبية أعضاء المجلس التشريعي، وبعد تخبط واختلاف بين الحركتين وفشل الحكومة الائتلافية وتبادل الاتهامات والتهديدات، تم انفصال قطاع غزة ضمنيا عن باقي الأراضي الفلسطينية التابعة للسلطة الوطنية ولا زال حتى تاريخنا الحالي.

أدار الانتصار السريع وغير المتوقع رؤوس قادة حماس للاستمرار في تحقيق انتصارات متتالية، لاسيما بعد دخول الحركة لعبة التحالف مع قوى عربية وإقليمية.

على غرار نهج استمرار الثورة التي أجادتها دول عديدة في مناطق مختلفة من العالم، استمرت حماس في تنفيذ برنامجها النضالي ضد الوجود الإسرائيلي في فلسطين وباتجاه عودة اللاجئين.

أقنعت ثلاث حروب قصيرة مع إسرائيل، ومئات الشهداء وآلاف الجرحى وتهديم أحياء وحارات بكاملها من مدينة غزة، قادة حماس بتجاوز تلك الأهداف، ثم جاء دور الحصار الظالم الذي أضر بكل الفلسطينيين، وأصبح جزءا من العقاب لمجرد التفكير في استمرار المقاومة.

جاء عهد الصواريخ التي تُطلق من غزة ويعقبها مباشرة تصريح من قيادة حماس بالموافقة على التهدئة، إذا وافقت إسرائيل عليها، الأمر الذي يتم بعد أن تثأر الأخيرة بهدم الكثير من المنازل وإزهاق أرواح العديد من المواطنين.

حاولت حماس التمسك بمبدأ استمرار المقاومة، عن طريق تحشيد الشباب والأطفال والنساء الفلسطينيين كل يوم جمعة على الحدود الشمالية والشرقية مع إسرائيل، دعما وممارسة لعودة اللاجئين الذين طردوا من ديارهم.

الأمر الذي ترفضه غالبية الدول العربية والأجنبية، ودفع حوالي 500 فتى وطفل وصحافي وأكثر من ألفي شاب حياتهم جراء الوحشية الإسرائيلية. ويبدو أن الاستمرار في إلغاء هذا التحشيد سوف يستمر حتى يتم التوصل لوسيلة أخرى تضمن مبدأ “استمرار المقاومة”.

حان الوقت لأن تدرك قيادة حماس معنى التحالف الراسخ واتفاق المصالح بين الولايات المتحدة وبين دول أوروبية وإسرائيل ومشاريعها، وواقع تحالف العديد من الدول في المنطقة مع الولايات المتحدة، درءا لتعرضها للتهديد من قبل دول قوية في الشرق الأوسط.

بدأت قيادة حماس، الآن، تتفهم أن قضية فلسطين ليست هي قضية العرب الأولى، حيث أن حماية دولهم وضمان وجودها، قضيتهم الأولى.

إن القوى الأخرى في عالم اليوم لديها أيضا قضايا أكثر أهمية بالنسبة لها من النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. وغالبية دول العالم تؤيد الدولة الفلسطينية وتريد مساعدتها، لكن ثلاث دول فقط في العالم تدعم حركة حماس، إحداها تدعمها بالسلاح، والأخرى تساعدها بالمال، والثالثة تؤيدها بالكلام.

يخطئ من يظن أن قيادة حماس لا تعرف تلك الحقائق وتأثيرها على استمرارها في مقعد القيادة على الأقل في القطاع. وهي تبحث عن وسيلة جديدة تخفف من الوضع الصعب للمواطنين في غزة، وتحافظ أيضا على سيطرتها هناك.

تدرك قيادة الحركة أنه لن تكون هناك بارقة أمل لتواجدها في الضفة الغربية، وتعي أيضا أن القطاع لا يمكن أن يعيش وحده ولا تريد هي ذلك له. وتبدو الحلول للخروج من هذا المأزق قليلة وضيّقة، وتكمن في احتمالين أخذت بوادرهما في الوضوح.

الأول الانتخابات الفلسطينية، التي رفضتها حركة حماس من قبل ووضعت أمامها شروطا وعقبات، ثم فجأة أصبحت قابلة لها ومؤيدة لإجرائها والمشاركة فيها. وترى حماس أن الانتخابات قد تعطي مساحة من الزمن لتنفيذها يمكن من خلالها إيجاد وسائل تضمن حلا مشتركا ومؤيَّدا عربيا ودوليا.

تبيّن للجميع مدى تقبّل الحركة لفكرة الانتخابات واستعدادها الفوري للالتزام بقانونها وعدم إثارة انتقادات جدّية لوقفها أو تأخيرها، لأنها سوف تمنحها دورا فاعلا في ترسيم سياسة فلسطينية تضم الضفة الغربية وقطاع غزة.

وسوف يقوم إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي للحركة بمناقشة هذا الموضوع مع رؤساء ومسؤولين عرب وأوروبيين على تماس لصيق مع الإدارة الأميركية أثناء جولته الخارجية الحالية. وقد يكون ترحيب قيادة الحركة بالهدية الأميركية المتمثلة في إقامة مستشفى ميداني مجهّز في غزة، بداية لعلاقة جديدة.

الاحتمال الثاني، استقلال قطاع غزة في إمارة إسلامية مستقلة منزوعة السلاح، في شريط مجاور لجنوب الشاطئ الجنوبي من ساحل شرق البحر المتوسط. وحدثت مناقشات وتم استعراض آراء تتعلق بإضافة المزيد من المساحة لهذه الإمارة الجديدة، سواء من الأراضي المصرية المجاورة أو الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل من غرب النقب، لكن الدولتين رفضتا ذلك.

وتُطرح اليوم آراء تتعلق بزيادة المساحة المطلوبة للإمارة المنشودة، ليس بمصادرة أراض من مصر التي رفضت هذا الاقتراح، ولا من الاستيلاء على مئات من الكيلومترات من الأراضي المحتلة القابعة تحت نفوذ إسرائيل، بل من البحر المتوسط نفسه.

ويدور الحديث اليوم حول إنشاء جزيرة واسعة تلحق بأراضي قطاع غزة، تتضمن ميناء ومطارا والمزيد من الأرض. هل من الممكن تحقيق ذلك؟ هذا سؤال سوف تتكفل التطورات المقبلة بالإجابة عنه.

9