هل تتفكك الدولة المشرقية

الأربعاء 2014/02/05

تعيش بلدان المشرق العربي، سوريا ولبنان والعراق، إحدى أخطر مراحلها التاريخية، حيث تقف في مواجهة سؤال الوحدة والتفكك الذي بات يلح عليها مع كل حادثة يشهدها الصراع في قلب هذا المعترك.

يرجع الكثير تاريخية الظاهرة إلى بداية الثورة السورية، والاصطفافات الناتجة عنها وعمليات الفرز الحاصلة بين المكونات المشكلة للمشرق، غير أن هذه الرؤية تغفل الواقع التاريخي لهذه المنطقة وطبيعة العلاقات بين مكوناتها، ذاك أن حالة التوتر بين هذه المكونات قديمة وتعود بجذورها الحديثة إلى تاريخ الحكم العثماني، والاحتلالات الأوروبية والتي عملت على تظهير الانقسام الحاصل وإعطائه شرعية عبر تقريب بعض المكونات وتهميش نظيراتها، ودمج التمايزات الاجتماعية في سياق الاختلاف الديني.

أتت أحداث لبنان في السبعينات، ثم حرب العراق وما تبعها من أحداث في طرابلس وبيروت اللبنانيتين، لتعلن التأسيس الحقيقي للحرب الطويلة التي سيشهدها المشرق العربي، تحت رايات طائفية. والواقع أن هذا الأمر كانت قد مهدت له عوامل موضوعية هيكلية تتعلق بما يمكن تسميته “عوامل فشل مشروع بناء الدولة القومية” في مرحلة ما بعد الاستقلال. حيث فشلت الدولة المشرقية في عملية بناء دولة وطنية حديثة نتيجة عجز نخبها عن صياغة مفهوم جامع لـ”الوطنية”. وصار أن كرست خبرة الدولة المشرقية واقع الإقصاء كسمة أساسية لهذه الدولة ذات الطبيعة شديدة المركزية مع تباين خطوط الإقصاء (إثنية، أو أيديولوجية، أو طبقية) بين دولة وأخرى، وبين مرحلة وأخرى في الدولة ذاتها.

سينتقل هذا النمط الإقصائي لهذا الشكل الدولتي إلى طور آخر مع بروز أبنية النظام المعولم وأطره الحاكمة منذ التسعينات، حيث ستسعى النخب الفاعلة في تلك التشكيلات إلى الانخراط في هذا النظام لينشأ ما يمكن تسميته بـ”النخب الوكيلة”، واللافت أن هذه النخب كانت على صلة بصناعة القرار السياسي والاقتصادي، ما أكسبها دورا في هندسة الواقع الاجتماعي وفقا لمصالحها.

وقد حمل هذا الطور الجديد مشكلات إضافية إلى الدولة المشرقية، منها عدم عدالة توزيع عوائد التنمية المرتبطة بهذا الانخراط بنظام العولمة، مما فاقم من عبء السياسات الإقصائية على المستوى المجتمعي. وتخلي الدولة عن إحدى وظائفها الرئيسية المتمثلة في الانفراد بتحديد نسق المصالح الوطنية، لمصلحة أنساق واردة من المركز المعولم.

هذه الخلفية من التعقيدات شكلت المعطى الأساسي للثورة السورية، ذاك أنها ثورة جيل قرأ مآلات ذلك النمط السياسوي الاقتصادوي واستشرف مآلات مستقبله، واكتشف أن هذا النمط ليس مؤهلا سوى لإنتاج مزيد من الإقصاء والتهميش، لكن فاته أن السياسة ارتبطت، في المشرق بتعقيدات الأيديولوجيا واستقرت عند خطوط الانقسام، وصيرت قضية ذات أهمية أكبر من قضايا العيش المشترك والاندماج الوطني.

التفكك الحاصل في الدول المشرقية بات يمتلك مؤشرات كثيرة، يمكن ملاحظته أولا في انحلال الوحدة الإقليمية للدولة، حيث يمكن ملاحظة وجود مناطق كثيرة، من الأنبار إلى حلب وصولا إلى جنوب لبنان، تفتقر لوجود أي بناء مؤسسي دولتي. كما يمكن ملاحظته في انهيار السلطة في الكثير من المناطق التابعة لهذه الدول الثلاث.

والملاحظ أن حالة التفكك تتماهى وخطوط الانقسامات الإثنية والمذهبية، بل إن إشكاليته الوحيدة تكمن في عدم اكتمال تظهيره بما يكسبه شرعية قانونية تسنده، مع ملاحظة اكتمال وجود روافعه الاجتماعية والسياسية.

الصراع الدامي في الشرق لا زال يعد بالكثير من الجولات القادمة، ذلك أنه من نمط الصراعات العقائدية التي لا وجود للتفاهم فيها إلا في حالة الإنهاك النهائي لأطرافه، أو في تحيّد مواقع الأطراف بين غالب ومغلوب.


* كاتب سوري

9