هل تتكرر مجاعة عراق صدام في سوريا الأسد

العقوبات أداة لوقف الانتهاكات لكنها تضر أكثر بالبسطاء.
الأحد 2020/12/06
صور معلقة ولهفة على لقمة العيش

مقارنة مخيفة بين الوضعين العراقي زمن صدام والسوري تحت قيادة الأسد، تضع السوريين أمام معضلة حقيقية بكل المقاييس للخروج من نفق الأزمة المقلقة، والتي ازدادت صعوبة مع العقوبات المفروضة على البلاد وأثرت بشكل مباشر على المواطنين البسطاء دون غيرهم.

دمشق - لم ينس العراقيون سنوات التسعينات القاسية بعد فرض عقوبات اقتصادية على نظام صدام حسين وما نتج عنها من مجاعة وموت أطفال ونقص في الغذاء والدواء، تلك الصورة تتكرر اليوم في سوريا تحت قيادة نظام الرئيس بشار الأسد، الذي لا يزال يمسك بزمام السلطة بإصرار رغم نشوب حرب أهلية طاحنة في بلده منذ تسع سنوات.

اصطف السوريون في طوابير طويلة أمام المخابز للحصول على الخبز المدعم، ووقفوا في محطات الوقود لساعات طويلة، واشتكى السكان من أسوأ أزمة غذاء ودواء ووقود في بلادهم.

أنشال فوهرا: مقارنة مقلقة بين الأوضاع في سوريا وعراق صدام حسين

ويقول برنامج الغذاء العالمي إن نحو 9.3 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وهو عدد يعكس زيادة قدرها 1.4 مليون نسمة في الأشهر الستة الأولى من هذه السنة.

وتقارن الكاتبة أنشال فوهرا، في مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، بين الوضعين في العراق زمن صدام وسوريا تحت قيادة الأسد، الذي تسبب هو وحلفاؤه من خلال القصف الأعمى طوال تسع سنوات بتدمير جزء كبير من البنية التحتية في سوريا، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على إنتاج الغذاء وتوليد الطاقة وغيرها من الصناعات.

تقول فوهرا إنه في سوريا يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان الآن تحت خط الفقر، وأدى يأسهم من قدرتهم على تغطية نفقاتهم إلى ارتفاع الجريمة، وتفشت عصابات تهريب البضائع والأسلحة والمخدرات، وارتفعت عمليات الاختطاف والابتزاز من أجل الحصول على فدية في عدة أجزاء من البلاد.

وتوضح أن هناك مقارنة مقلقة لتحديد ما إذا كانت العقوبات قاسية في سوريا مثلما كان الأمر في العراق قبل عقدين، حيث سجل في العراق رحيل نصف مليون طفل جراء العقوبات التي قادتها الولايات المتحدة، وأن نتيجة تلك العقوبات في النهاية لم تسقط نظام صدام، إلا عند غزو العراق عام 2003.

وضع مأساوي

“ابق أينما كنت، ليس هناك ما يكفي للحصول على الطعام هنا”، كان هذا رد من الداخل السوري على شاب يدعى أيمن وهو يبلغ من العمر ثلاثين سنة، فر من دمشق إلى بيروت في بداية اندلاع الأزمة السورية عام 2011، لكن بعد تعثر الوضع الاقتصادي في لبنان فكر بالعودة ثانية إلى بلده.

أظهرت واقعة الشاب أيمن مدى صعوبة الحياة في مناطق سيطرة النظام السوري، إضافة إلى التعثر الكبير الذي يصيب الاقتصاد السوري نتيجة للحرب المدمرة في البلاد.

تقول الكاتبة أنشال فوهرا إن الأسد يزعم أن البنوك اللبنانية تحتفظ بما لا يقل عن 20 مليار دولار من أرباح السوريين، والتي ستحل الأزمة الاقتصادية السورية دفعة واحدة إذا أمكن الوصول إليها. وتشير إلى أن الحياة أصبحت صعبة على اللبنانيين، لكنها أصعب على السوريين الذين دمرتهم الحرب.

وأثرت حالة الانهيار الكبيرة التي تصيب الاقتصاد اللبناني بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي في سوريا المجاورة.

وعانت سوريا طوال السنوات الماضية من نقص الإمدادات، واعتمدت جزئيا على إمدادات قادمة من روسيا، لكن تلك المساعدات فشلت عندما خفضت موسكو مبيعات الدقيق إلى الخارج للحفاظ على الاحتياطات في الداخل خلال تفشي وباء فايروس كورونا، كما تعنى العقوبات الأميركية على النفط والغاز أن الخام الإيراني هو فقط الذي وجد طريقه إلى سوريا. وتشير الكاتبة إلى أن نقص هذا المورد الأساسي كان له تأثير مضاعف على قطاعي الزراعة والطاقة، كما أثر على الشركات المحلية.

وسيلة ضغط

صعوبة الحصول على الطعام في مناطق سيطرة النظام السوري
صعوبة الحصول على الطعام في مناطق سيطرة النظام السوري

يهدف قانون قيصر، الذي يفرض عقوبات على نظام الأسد ويلاحق الأفراد والشركات التي تموله، إلى إجبار النظام على تغيير سلوكه تجاه شعبه، الذي يتعرض لأسوأ أزمة إنسانية.

ويقول دبلوماسيون غربيون كبار لمجلة “فورين بوليسي” إن العقوبات هي آخر وسيلة ضغط على الأسد لدفعه للإفراج عن السجناء السياسيين، وضمان عودة اللاجئين الآمنة، والموافقة على المصالحة السياسية التي ستعني في النهاية تركه السلطة إذا كانت سليمة.

ويعتقد هؤلاء أن دفع تكاليف إعادة الإعمار في سوريا بما في ذلك البنية التحتية مثل محطات الطاقة وأنظمة الري الضرورية للأمن الغذائي والحياة اليومية، ستساهم في تقوية النظام السوري. ويؤكد الدبلوماسيون أنهم لا يعتزمون السماح للأسد بالنجاح في ذلك إلا إذا قدم تنازلات كبيرة على الأقل.

ويشعر الغرب بالقلق من أن الأسد قد يستحوذ على الأموال، كما يزعم أنه فعل بجزء كبير من المساعدات الإنسانية التي كانت لمنكوبي الحرب.

ويرى دبلوماسيون آخرون أن العقوبات لا يمكن أن تصلح دكتاتورا وإنها مجرد معاقبة للشعب السوري، ويفترضون أن الشعب السوري كما كان الحال في العراق يتحمل وحده وطأة العقوبات بينما لا يواجه الأسد وأعوانه نقصا حادا في الغذاء أو الوقود.

80

في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وتسببت معاناتهم في ارتفاع معدلات الجريمة

وتقول بني سيلر، رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة “هاينريش بول”، إنه لا يوجد خلاف على العقوبات التي تستهدف أصدقاء الأسد، لكن العقوبات القطاعية خلفت تأثير سلبيا على المواطنين العاديين.

وتضيف أن “العقوبات الأميركية تستند إلى منطق الضغط الأقصى، وهذا هو السبب في أنها تشمل عقوبات قطاعية، بينما يتم إدراج الأفراد في الخطوة الثانية فقط”.

وتحد العقوبات القطاعية، مثل تلك المفروضة على البنوك السورية، من قدرة النظام على شراء البضائع من الخارج. وتسلط عقوبات مفروضة من الاتحاد الأوروبي على أهداف محددة، حيث تشمل حظر السفر على مسؤولي النظام ووكلائهم بناء على دور كل منهم في انتهاكات حقوق الإنسان.

ويقول آرون لوند، المتخصص في الشؤون السورية الذي يعمل مع وكالة أبحاث الدفاع السويدية “إن العقوبات الأميركية والأوروبية جاءت مع استثناءات للأنشطة الإنسانية والتجارة المدنية المشروعة”. وكانت الشركات تخشى من أن يكون لها أي علاقة بدولة خاضعة للعقوبات ولا ترغب في المخاطرة والمشاحنات القانونية.

ويضيف لوند أن “الشركات تجنبت حتى التجارة المسموح بها، وذلك للابتعاد عن المخاطر والمشاحنات القانونية. عندما تقرر البنوك الدولية أو شركات الشحن أن التعامل مع نظام العقوبات لا يستحق العناء، فإن التوريد يصبح صعبا ومكلفا في جميع المجالات”.

ويقول معارضون لنظام الأسد إن العقوبات القطاعية التي شملت النفط والغاز والبناء تضر بالمدنيين أكثر من النظام، وجعلت العقوبات البضائع أكثر تكلفة على السوريين العاديين.

وتتساءل الكاتبة أنشال فوهرا بشأن كيفية تعامل الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن مع معضلة الأزمة السورية التي بقيت دون حل، وكيفية العمل على وقف المجاعة في سوريا ومساعدة الناس على العودة إلى حياتهم دون إفادة الأسد.

7