هل تتمكن دول الخليج من تأسيس اقتصادات تلغي الاعتماد الشديد على الوقود الأحفوري

التحول إلى الطاقة النظيفة فرصة لدول المنطقة للخروج من المأزق.
الأربعاء 2021/09/22
الطاقة المتجددة هي المستقبل

فرضت التغيرات المناخية على سائر دول العالم الاتجاه نحو الطاقة المتجددة للتخفيف من آثارها، فيما يطرح هذا التحول تحديا بالنسبة إلى دول المنطقة ودول الخليج المنتجة للنفط التي باتت مجبرة على التخلي عن اقتصاد يعتمد بشدة على الوقود الأحفوري والاتجاه نحو الاستثمار في الهيدروجين والطاقة النظيفة، وبالنسبة إلى خبراء من غير المرجح أن يكون الاستثمار في الهيدروجين بديلا كليا لصناعة النفط والغاز في المنطقة لعدم توفر مناخ ملائم مقارنة بدول أخرى.

واشنطن - يواجه منتجو النفط والغاز في الشرق الأوسط لحظات حاسمة بالتزامن مع جريان العالم في اتجاه الانتقال إلى الطاقة المتجددة بدلا من الوقود الأحفوري، فهل بوسع دول الخليج المنتجة للنفط الابتعاد عن اقتصاد لا يزال يعتمد بشدة على الوقود الأحفوري؟

ويشكل الانتقال إلى الطاقة المتجددة تحديا حقيقيا لدول المنطقة. وكتب الخبير الدولي في الطاقة فناند ميليكسيتيان في تقرير أن أحد الخيارات المتوفرة هو رؤية التحول إلى الطاقة النظيفة كفرصة، وبرأيه تتمثل إستراتيجية الخروج من هذا المأزق، وهو الحديث الذي أثار الكثير من النقاش مؤخرا، في توظيف احتياطيات الغاز وضوء الشمس الوفير في إنتاج غاز الهيدروجين، لكن حسب تحذير البائع، إذا جاز التعبير. ومع اختلاف صناعة وسوق المنتجات المستدامة اختلافا جوهريا عن تلك المرتبطة بالوقود الأحفوري، فلا يوجد تأكيد على أنه يمكن استبدال النفط والغاز بالكامل بـ“الجزيئات الخضراء”.

وفي الوقت الراهن، فإن أسعار النفط والغاز الطبيعي مرتفعة على نحو مرضي للمصدرين، وعليه فالحكمة التقليدية تشير إلى غياب الحافز لزيادة الاستثمارات في بدائل النفط، ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، سيصل الطلب العالمي على النفط إلى مستويات ما قبل الوباء قبل نهاية هذا العام. ومن المرجح نمو الطلب عليه في السنوات القادمة، ومع ذلك، فإن المنتجين الخليجيين غير راضين عن كل ذلك وينظرون إلى ما بعد المدى المتوسط.

فناند ميليكسيتيان: دول الخليج المنتجة للنفط تستثمر في الهيدروجين، لكن لن يكون ذلك كافيا كبديل عن الوقود الأحفوري

ولا يزال النفط شريان الحياة الرئيسي في دول الخليج، كونه مصدر نحو 70 في المئة من الإيرادات الحكومية في المنطقة التي شهدت لعقود تدفق أرباح هائلة من عملية بيع “الذهب الأسود”. واستثمرت دول الخليج عشرات المليارات من الدولارات في الطاقة النظيفة، الشمسية والنووية بشكل خاص.

على سبيل المثال، أطلقت دبي في السنوات الأخيرة، أكبر مشروع للطاقة الشمسية في العالم بقيمة 13.6 مليار دولار وقدرة على تلبية ربع حاجة الإمارة الثرية من الطاقة بحلول العام 2030.

ورغم ذلك، يرى خبراء أنّ الإدمان على النفط في منطقة الخليج يصعب التخلص منه، خصوصا وأنّ الإمدادات وافرة وفي متناول اليد، بينما يبقى الاستثمار الضروري في البنية التحتية للانتقال نحو الطاقة البديلة بطيئا.

وأوضح جوليان جريصاتي العضو بفريق الحملات في مجموعة غرينبيس في تصريحات سابقة أن “الانتقال العالمي من الوقود الأحفوري الوسخ إلى الطاقة المتجددة ممكن اقتصاديا وتقنيا وتكنولوجيا (…) وما ينقص هو الإرادة السياسية”.

وأشار إلى أن الإمارات تنفّذ الخطط التي أعلنتها في هذا المجال، لكن “السعودية التي لطالما صدرت عنها إعلانات ضخمة بشأن طموحاتها في مجال الطاقة المتجددة، لا تزال تسير ببطء ومشاريعها وأهدافها تبقى حبرا على ورق”. وأردف “لا شك أن العالم سينبذ النفط. السؤال الوحيد هو: متى سيحدث ذلك؟”.

ومن ناحية أخرى، سيشهد الأسطول الحالي من السيارات ومحطات الطاقة استخداما أكبر للوقود الأحفوري مع انتعاش النشاط الاقتصادي بعد التباطؤ الناجم عن كوفيد – 19، لكن عملية التخلص من الكربون تحدث بسرعة كبيرة إلى درجة أنه من المحتمل رؤية الكثير من احتياطيات الوقود الأحفوري الحالية متبقية تحت الأرض، وفي الغالب سيكون الطلب المستقبلي على الوقود الأحفوري من البلدان الفقيرة العاجزة عن الاستثمار في إنتاج الطاقة المستدامة.

وتهدف الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي إلى الحدّ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول عام 2050، وقد اقترحت المفوضية الأوروبية مؤخرا سياسات تهدف إلى تقليل صافي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 55 في المئة على الأقل بحلول نهاية العقد.

السباق نحو الطاقة المستدامة

الهيدروجين المراعي للبيئة محل منافسة دولية
الهيدروجين المراعي للبيئة محل منافسة دولية 

تتفاوض الولايات المتحدة على مشروع قانون واسع النطاق للبنية التحتية، والذي في حال تمريره في شكله الحالي، سيقلل بشكل جذري من اعتماد الولايات المتحدة على الوقود الأحفوري. وثانيا، تعهدت الصين بالوصول إلى حياد كربوني بحلول عام 2060، ثم هناك اقتصادات صغيرة في شرق آسيا، من سنغافورة إلى تايوان وكوريا الجنوبية وصولا إلى اليابان. وعليه، فإن الطلب على النفط والغاز في الشرق الأوسط، وخاصة من أوروبا وشرق آسيا، سينخفض ​​بشكل حاد.

وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن الانتقال إلى الطاقة المستدامة يتوقف على تنمية جانب الطلب، ففي حين أن منتجي النفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والمنتجين من خارجها هم من يتحكمون في أسعار النفط، على الرغم من أنها أقل بكثير مما كانت عليه في السبعينات، فإن المستخدمين النهائيين للطاقة المستدامة هم من سيحددون ثروات الموردين. وبناء عليه، فإن نوعية الطلب تشكل السياسات الصناعية طويلة المدى لمنتجي الوقود الأحفوري اليوم.

ومن المنظور الحالي، سيكون من المنطقي للغاية أن يستخدم منتجو الوقود الأحفوري مواردهم -التي من شأنها أن توفر عوائد متناقصة- لتوفير احتياجات الطاقة الخضراء. وتسهم مصادر الطاقة البديلة بنحو 18 في المئة فقط من إجمالي مساهمات مصادر الطاقة في العالم، بينما تسهم الطاقة النووية بنسبة 6 في المئة، رغم التقنيات الحديثة والتطور التكنولوجي الكبير في العقد الأخير.

سيكون الطلب المستقبلي على الوقود الأحفوري من البلدان الفقيرة العاجزة عن الاستثمار في إنتاج الطاقة المستدامة

وازداد في السنوات العشر الأخيرة الاعتماد على الرياح والطاقة الشمسية، بينما كانت التكلفة تنخفض لتصل إلى مستويات قريبة من النفط والغاز. وأكد تقرير دولي أن النمو السريع في مصادر الطاقة المتجددة سيؤدي إلى تحولات كبيرة في السياسة العالمية. وذكر أن تلك المصادر أصبحت تهدد دور الوقود الأحفوري في معظم أنحاء العالم.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) في تقرير سابق إن التحول سيؤدي إلى “تعديل التوزيع العالمي للسلطة والعلاقات بين الدول، وينعكس على واقع مخاطر النزاع والدوافع الاجتماعية والاقتصادية والبيئة لعدم الاستقرار الجيوسياسي”.

وبحسب التقرير فإن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرهما من مصادر الطاقة المتجددة التي تشكل حاليا نحو خمس الإنتاج العالمي للطاقة تنمو بشكل أسرع من أي مصادر أخرى. ونظرا للتكاليف المنخفضة بشكل كبير، فإن الألواح الشمسية والتخزين بالبطاريات سيصبحان على المدى البعيد من أهم مصادر التزود بالطاقة.

وتشير التوقعات إلى أن حجم الألواح الشمسية في إنتاج الكهرباء العالمي، على سبيل المثال، سيرتفع من 37 في المئة بحلول عام 2030 إلى 69 في المئة في عام 2050، وبالتالي فإنه سيؤمن أكثر من ربع الحاجة العالمية من الكهرباء.

وسيؤثر التحول العالمي للطاقات المتجددة الصديقة للبيئة على سوق العمل كذلك، ما يعني أن الدول لديها فرص لتقليص معدلات البطالة من العمالة الماهرة وخاصة التي تكونت في المجال التكنولوجي.

الاستثمار في الهيدروجين

السعودية تخطط لاستثمار 5 مليارات دولار في مدينة المستقبل نيوم لإنتاج "الهيدروجين الأخضر" من التحليل الكهربائي الذي يعمل بالطاقة الشمسية  بحلول عام 2025
السعودية تخطط لاستثمار 5 مليارات دولار في مدينة المستقبل نيوم لإنتاج "الهيدروجين الأخضر" من التحليل الكهربائي الذي يعمل بالطاقة الشمسية  بحلول عام 2025

تعتبر الاحتياطيات الكبيرة من الغاز الطبيعي في منطقة الخليج فرصة جيدة لإنتاج “الهيدروجين الأزرق” المشتق من الميثان. ففي هذه العملية، يتم فصل الميثان إلى هيدروجين وكربون، ثم يتم التقاط الأخير وتخزينه، وتعتبر الصحارى ذات الكثافة السكانية المنخفضة في المنطقة مكانا مثاليا لمزارع الطاقة الشمسية الضخمة القادرة على توليد الكهرباء والتي تستخدم لإنتاج “الهيدروجين الأصفر” من خلال التحليل الكهربائي للمياه.

واستثمرت الإمارات العربية المتحدة في إستراتيجية تركز على الهيدروجين الأزرق، والهدف الرئيسي لسلطنة عمان هو مصنع الهيدروجين الأخضر المستقبلي في محافظة الوسطى بقيمة 31 مليار دولار، بينما تخطط المملكة العربية السعودية لاستثمار 5 مليارات دولار في مدينة المستقبل نيوم الواقعة في الشمال الغربي لإنتاج “الهيدروجين الأخضر” من التحليل الكهربائي الذي يعمل بالطاقة الشمسية والرياح بحلول عام 2025.

ولكن، من غير المرجح أن يكون الهيدروجين بديلا كليا لصناعة النفط والغاز في منطقة الخليج لثلاثة أسباب وهي:

أولا، مستوى الاعتماد على الواردات في بلدان المستخدم النهائي غير مؤكدة بعد، في حين أن هناك ضرورة لاستيراد النفط والغاز، فإن حجم واردات الهيدروجين غير مؤكدة لأنه يمكن إنتاجه في أي مكان في العالم طالما هناك كهرباء، ولا يمكن استبعاد إمكانية إحياء الصناعة النووية لتشغيل التحليل الكهربائي لإنتاج “الهيدروجين الوردي” ولا حتى استبعاد احتمال أن الكهرباء التي تعمل بالطاقة النووية ستغني عن الحاجة إلى الهيدروجين في المقام الأول. فبينما يعتمد الوقود الأحفوري على الجيولوجيا، فإن الهيدروجين يعتمد على التكنولوجيا، وهنا وجب التذكير بأن الهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة في الكون.

ثانيا، لا تحتكر منطقة الخليج مناخا مناسبا للهيدروجين الأخضر، فدول مثل تشيلي وأستراليا وإسبانيا، على سبيل المثال لا الحصر، مستعدة لتصبح مُصدرة لناقل الطاقة.

وأخيرا، تعتزم شركتا غازبروم وروساتوم الروسيتان إعادة توظيف البنية التحتية لخطوط الأنابيب الممتدة مع أوروبا لتصدير الهيدروجين الأزرق والوردي في المستقبل القريب.

Thumbnail

وفي حين أن النفط والغاز سيصبحان حتما أقل قيمة في المستقبل، فلا يوجد تأكيد على أن الأشكال البديلة للطاقة من منتجي الوقود الأحفوري الحاليين في الخليج يمكن أن تقدم قيمة أكبر للقطاع الصناعي، ولهذا السبب، سعى كبار منتجي النفط في الخليج إلى ضخ أكبر قدر ممكن من النفط لملء صناديق بلدانهم بالمال، مع استكشاف أشكال مختلفة من التنويع الاقتصادي، وفي هذه الحالة، يعتبر الهيدروجين، الذي يبدو أنه استحوذ على خيال العديد من الخبراء، مجرد إستراتيجية واحدة في ترسانة أسلحة تتطلب العديد من العناصر.

ويستنتج ميليكسيتيان أنه لم يكن من المفيد أبدا محاولة فهم الشرق الأوسط من خلال منظور النفط، كما لا يمكن فهمه من خلال الحماس المفرط المصاحب للهيدروجين.

وبات الهيدروجين محل منافسة دولية بين المجموعات الصناعية في أقطار العالم خصوصا في أوروبا للإعلان عن خطط واستثمارات في إطار السباق على مشاريع الهيدروجين المراعي للبيئة، فيما تشخص الأنظار في هذا المجال أيضا إلى الصين.

ويُنظر إلى هذا الغاز على أنه الحلقة الناقصة لإتمام الانتقال البيئي بنجاح رغم أنه لا يزال يُنتج من مصادر وقود أحفورية، وأنه سيساهم في وقف الاعتماد على الكربون في القطاع الصناعي ووسائل النقل الثقيلة وسيقدم وسيلة تخزين للكهرباء المتجددة، شرط تحويله إلى مصدر “أخضر”.

وبرأي الخبراء، يعد الهيدروجين مهما لإبطاء تغيّر المناخ لأنه لا يصدر أي غازات دفيئة ضارة عند حرقه. ويتكون الشكل الأزرق للوقود من الغاز الطبيعي، ويتم التقاط انبعاثات الكربون المتولدة في عملية التحويل، كما تتم إعادة تحويل الهيدروجين أحيانا إلى أمونيا حيث يمكن نقله بسهولة أكبر بين القارات.

12