هل تجازف تونس برفع تدريجي للحجر الصحي

انحسار عدد الإصابات بفايروس كورونا لا يعني تجاوز الأزمة الصحية التي تهدد البلاد.
الثلاثاء 2020/04/21
الاستعدادات لرفع الحجر الشامل لا تحجب المخاوف

مثّل انحسار عدد الإصابات بفايروس كورونا مبعثا للتفاؤل، ما دفع السلطات التونسية إلى التفكير في رفع الحجر الصحي الشامل والعودة إلى الحياة الطبيعية تدريجيا وفق إجراءات صحية مضبوطة، لكن في المقابل يحذر الأطباء من أن السيطرة على الوباء في الفترة الحالية لا تعني تجاوز الأزمة.

تونس – تتجه تونس إلى تخفيف قيود الحجر الصحي الشامل وفرض حجر موجه بالسماح لبعض القطاعات باستعادة العمل بنسق تدريجي بعد الثالث من مايو المقبل، في خطوة رأى فيها بعض المراقبين “مجازفة” مشروطة بنجاح الحكومة في تنظيم محكم للعودة التدريجية للحياة الطبيعية، وبحسن إدارة وزارة الصحة لهذه العملية تجنبا للعدوى والمزيد من انتشار الوباء.

وأعلن رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ الأحد تمديد إجراءات الحجر الشامل لوقف تفشي فايروس كورونا حتى الثالث من مايو وبعد ذلك ستخفف القيود على بعض الأنشطة الاقتصادية بشكل تدريجي. كما أعلن أنه من المتوقع تقليص ساعات حظر الجولان خلال شهر رمضان ليصبح من الثامنة مساء حتى السادسة صباحا بدلا من السادسة مساء حتى السادسة صباحا.

صحبي بن فرج: الحكومة تأخرت في قرار رفع الحجر الصحي الشامل
صحبي بن فرج: الحكومة تأخرت في قرار رفع الحجر الصحي الشامل

وأوضح الفخفاخ في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي أنه “خلال الحجر ‘الموجه’ ستستأنف بعض القطاعات الحيوية (لم يذكرها) نشاطها تدريجيا بالتنسيق مع السلطات المحلية”. وتابع “الحجر الموجه لا يعني أن الحياة ستعود إلى طبيعتها بشكل كامل لأنه لم يتم إلى حد الآن إيجاد لقاح ناجح لعلاج كورونا”.

وفيما ينظر التونسيون بإيجابية لقرار الحكومة نتيجة تداعيات طول مدة العزل على أوضاعهم الاقتصادية، يتساءل المراقبون عن طبيعة القطاعات المستهدفة من هذا الإجراء، ومدى جهوزية وزارة الصحة لإنجاح المرحلة المقبلة واستعادة الحياة الطبيعية دون أضرار صحية ومدى قدرتها على حماية أرواح المواطنين.

وبين محمد الرابحي رئيس لجنة الحجر الصحي بوزارة الصحة لـ”العرب” أن “العودة التدريجية ستأخذ في عين الاعتبار القطاعات الحساسة التي تتعلق بصناعة الأدوية مثل وسائل الوقاية والمواد الغذائية الضرورية”. وتابع “هذه القطاعات التي تشملها العودة، وسيتواصل العزل إلى حين استقرار الحالة الوبائية والتحكم في انتشار الفايروس”.

وينتاب التونسيون حالة من القلق بشان إمكانيات وزارة الصحة المحدودة والنقص الفادح في أسرة الإنعاش.

وردا على هذه المخاوف، يشير الرابحي إلى أن الوزارة في أوج الاستعدادات لتخفيف الحجر لافتا إلى “جهوزية أقسام العناية المركزة، كما ستلجأ الوزارة إلى المستشفيات الميدانية عبر استعمال ملاعب رياضية”.

وأضاف “مستعدون لكل السيناريوهات لكن على المواطن ألا يرمي المنديل أيضا”.

بدوره، يرجح خالد الكريشي رئيس لجنة الصحة بالبرلمان نجاح تونس في تأمين العودة التدريجية. وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن “بوادر النجاح موجودة من حيث التحكم في عدد الإصابات والوفيات”.

ويرى أنه “مع التمديد في الحجر الصحي تقع محاصرة الفايروس”. ويتوقع أن يكون للحجر الصحي الموجه نتائج إيجابية أكبر.

ولا ينكر الكريشي أن استعادة النسق التدريجي للحياة مشروط بالاختبارات السريعة وبالتجهيزات الطبية والشبه الطبية وبتحسن البنية الصحية التحتية حتى تكون البلاد قادرة على التحكم بالوباء. موضحا أن “القطاعات التي ستستأنف نشاطها ستخضع لإجراءات صحية صارمة”.

أما المحلل السياسي عبداللطيف الحناشي فيعتقد أن نجاح وزارة الصحة مشروط بالإرادة السياسية. ويشرح لـ”العرب” إذا كانت هناك إرادة سياسية من الممكن أن ننجح في رفع الحجر تدريجيا، من خلال قدرة الدولة على توفير لوجيستي ومراقبة صحية وتنظيم وسائل النقل. لافتا إلى دور المواطن فهو برأيه يتحمل المسؤولية بدرجة أولى.

ويطمئن ارتفاع حالات الشفاء من الوباء الحكومة التونسية، ما جعلها تقرر التسريع في رفع الحجر الصحي لتخفيف الضغوط النفسية على المواطن من جهة، وإنقاذ الاقتصاد المتردي من جهة ثانية.

خالد الكريشي: القطاعات التي ستستأنف نشاطها ستخضع لإجراءات صارمة
خالد الكريشي: القطاعات التي ستستأنف نشاطها ستخضع لإجراءات صارمة

وحسب اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا فقد تقلص عدد المرضى في المستشفيات إلى 129 من بينهم 34 حالة في قسم الإنعاش، فيما تماثل 148 آخرون للشفاء من الفايروس.

وعلى ضوء هذه النتائج، يرى السياسي التونسي الصحبي بن فرج أن الوقت مناسب لتخفيف قيود الحجر الصحي. ويضيف بن فرج لـ”العرب” أنه “حسب معطيات وزارة الصحة يبدو أنه لا يوجد انتشار كبير للفايروس وبالتالي الكفة تميل إلى رفع الحجر”.

ويرى أن الحكومة تأخرت في قرار رفع الحجر وكان من المفروض التسريع في ذلك واسترجاع بعض القطاعات لنشاطها. ويعزو ذلك إلى “عدم توفير الحكومة أعدادا كافية من الكمامات وإلى نقص التحاليل الصحية السريعة”.

وتجري السلطات الصحية في تونس التحاليل المخبرية بشكل موجه للعينات المشتبه بالتقاطها الفايروس أو المخالطين للحالات المؤكدة. وحسب بن فرج وقع تباطؤ في إجرائها، فيما اكتفت وزارة الصحة بإجراءات روتينة، ما عطل عملية رفع الحجر.

ويرى أن السياسة الصحية جيدة في الآونة الأخيرة لكنها لم تكن ديناميكية بما يكفي. ويلاحظ أن “الحالة الوبائية تبدو مطمئنة وأن التأخير في رفع الحجر سيدفع ثمنه الاقتصاد باهظا”.

وتأتي أزمة كورونا وسط توقعات بركود اقتصادي غير مسبوق، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي ركودا بأكثر من 4.3 في المئة لأول مرة منذ الاستقلال في 1956.

وربط مراقبون قرار تخفيف قيود الحجر بتونس تماشيا مع خطوات دول أخرى التي تنوي تخفيف إجراءات الحجر وتناقش في الآونة الأخيرة “استراتيجية الخروج” من أزمة كورونا مع تزايد حالات الشفاء.

وبدأت التدابير المتّخذة في كبرى الدول الغربيّة لكبح فايروس كورونا تؤتي ثمارها، في وقت تُستكمل الاستعدادات لتخفيفها بحذر. وتبدأ ألمانيا تخفيف القيود اعتبارا من الاثنين، كما تنوي فرنسا البدء بتخفيف القيود اعتبارا من 11 مايو المقبل.

4