هل تجد الإصلاحات طريقها إلى الكنيسة

قمة رؤساء الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان تزيد الآمال بشأن المراجعة الجذرية للنظام.
الجمعة 2019/02/22
مطالب ملحة وإصلاحات ضرورية

تفرض التغيرات الثقافية على كل الأديان دون استثناء خيار المراجعة والإصلاح، وفي وقت يزداد فيه التركيز على تجديد الخطاب الديني الإسلامي نجد أن هذا الأمر قد شتت الانتباه إلى ضرورة التجديد الذي أصبح الخطاب الديني المسيحي في أمسّ الحاجة إليه مع حتمية بدء عملية إصلاحية داخل الكنيسة الكاثوليكية أوجدتها الأزمة التي تعيشها هذه الكنيسة والتي برزت مع تفجر فضائح التحرش الجنسي، مما سلط الضوء على النقائص التي تشكو منها والتي من المتوقع أن يتم تفاديها باتخاذ الخطوات اللازمة في هذا السياق خلال قمة القساوسة في الفاتيكان التي تتواصل لأربعة أيام بدءا من الخميس.

الفاتيكان – تناقش قمة رؤساء الكنيسة الكاثوليكية في العالم التي بدأت في الفاتيكان الخميس مسؤولية الكنيسة عن جرائم الاعتداءات الجنسية التي يرتكبها رجال الكنيسة ضد القاصرين، لكن المنتظر منها يتجاوز مجرد إدانات لهذه الأعمال أو اتخاذ إجراءات لرد الاعتبار للضحايا ومعاقبة المتورطين بل تطرح بوضوح مسألة حتمية الإصلاح داخل الكنيسة الكاثوليكية.

قدم البابا فرنسيس خارطة طريق للإصلاح تتألف من 21 نقطة إلى المشاركين في قمة الفاتيكان للتعامل مع فضائح التحرش الجنسي.

وتشمل المقترحات تسهيل إجراءات الإبلاغ لضحايا الاعتداءات، وإشراك خبراء غير تابعين للكنيسة في تحقيقات داخلية بالكنيسة بشأن قضايا الاعتداء الجنسي.

ودعا البابا فرنسيس إلى تطبيق “عقوبة تناسب الجرم” بحق القساوسة المتورطين في هذه الجرائم، مشيرا إلى أنه على الجناة “ترك الخدمة العامة (بالكنيسة)” على الأقل.

واقترح البابا تغيير قانون كنسي لرفع الحد الأدنى لسن الزواج الكاثوليكي إلى 16 عاما، وهو حاليا 14 عاما للفتيات و16 عاما للبنين.

المطلوب تغيير في العمق

الكثيرون يتطلعون إلى أن تنخرط الكنيسة في عملية إصلاحية جذرية للنظام ويرفضون الحديث عن مجرد تعديل للقوانين، التي يقول المنظمون إنها ستكون من المسائل التي ستسفر عنها القمة حيث ستؤدي إلى البعض من الإصلاحات للنظام، على الأمد القصير والمتوسط والطويل، كما قال رئيس الأساقفة المالطي تشارلز سيكلونا، مثل إعادة “تنقيح” قوانين الكنيسة التي تحتاج إلى ذلك.

لكن استعمال وصف “تنقيح” القوانين يغضب آن باريت دويل نائب مدير قاعدة البيانات الأميركية “بيشوب-اكاونتابيليتي.اورغ” التي توثق التحقيقات حول الكهنة المشتبه في ارتكابهم جرائم جنسية.

وقالت، أمام صحافيين في روما، “يجب تغيير القانون الكنسي، وليس فقط تعديله أو تحسينه، إنما تغييره تغييرا عميقا، للتوقف عن إعطاء الكهنة الأولوية على الرجال وحياة الأطفال الضعفاء والبالغين الذين يتعرضون لاعتداءات جنسية”.

البابا فرنسيس: الرؤساء الـ114 للأسقفيات الذين أتوا من جميع القارات، سيعودون محملين بالمزيد من الثقافة والإدراك إلى بلدانهم، وأفكار واضحة لنقلها بدورهم إلى الأساقفة والكهنة
البابا فرنسيس: الرؤساء الـ114 للأسقفيات الذين أتوا من جميع القارات، سيعودون محملين بالمزيد من الثقافة والإدراك إلى بلدانهم، وأفكار واضحة لنقلها بدورهم إلى الأساقفة والكهنة

ويطرح إعطاء الأولوية للكهنة على حساب من يتعرضون للاعتداءات مسألة التكتم وغياب الشفافية التي تشكو منها الكنيسة والتي عطلت التحقيقات في قضايا التحرش الجنسي، وهو ما جعل قمة القساوسة في الفاتيكان تدرج مناقشة الشفافية ضمن أجندتها.

وقال الأب فيدريكو لومباردي، المتحدث البابوي سابقا والذي سيدير مناقشات القمة المغلقة، إن تبني الشفافية أمر صعب بالنسبة لمؤسسة اعتادت على ثقافة السرية.

ويوضح أن الانفتاح بشأن “مواقف بغيضة” تتعلق بقساوسة زملاء “ليس بالأمر الذي يسهل القيام به”، لكن الكنيسة “تدفع ثمنا باهظا جدا للغاية للتستر في الماضي، وإذا لم نكن أغبياء فإن هذا يجب أن يشجعنا على الاستمرار” في إجراءات التطهير.

ضحايا التحرش، الذين ينظمون احتجاجات بالتوازي مع القمة، يطالبون منذ فترة طويلة بإجراء المزيد من الإصلاحات الجذرية، مثل فرض إلزام رسمي على الأساقفة بإبلاغ الشرطة عن أي قساوسة مشتبه بهم يرصدونهم. والآن، يتم تشجيعهم فقط للقيام بذلك.

ويقول ماركو بوليتي، وهو صحافي ومؤلف إيطالي آخر يتابع شؤون الفاتيكان، “يريد البابا والفريق المنظم للقمة وضع قواعد واضحة وملزمة للأساقفة”. وأضاف أن السؤال هو ما إذا كان سيتم تنفيذها أم لا.

ويواجه البابا فرنسيس مقاومة واسعة للتغيير داخل الكنيسة، بما في ذلك مقاومة من جانب المعارضين المحافظين بشدة الذين قد يقفزون على أي فشل ملحوظ في جهوده المناهضة للتحرش لتجديد هجومهم على بابويته الليبرالية نسبيا.

ويقول بوليتي “إذا تأخرت العملية (الإصلاح) أو إذا ازدادت الفضائح، فإن البابا يواجه خطر فقدان مصداقيته”. وحذر قائلا إنه في غياب إجراءات متابعة ذات مصداقية، “يحتمل أن يكون للقمة تأثير عكسي بالنسبة للبابا”.

مناقشة عزوبية الكهنة

من بين الإصلاحات التي يطالب الكثيرون الكنيسة بها، مراجعة شرط عزوبية الكهنة والقساوسة الكاثوليك، وهو ما أصبح أمرا مطروحا بالتزامن مع فضائح التحرش الجنسي التي ارتكبها رجال من الكنيسة، حيث يعتبر البعض أن عزوبية الكهنة أحد الأسباب الرئيسية في ارتكاب هذا النوع من الاعتداءات. وفي ألمانيا مثلا، كشفت نتائج استطلاع للرأي أن 72 بالمئة من الألمان يعتبرون أن العزوبية الجبرية للقساوسة الكاثوليك سبب في جرائم الانتهاك الجنسي التي وقعت داخل أروقة الكنائس الكاثوليكية.

وفي المقابل، أظهرت نتائج الاستطلاع الذي أجراه معهد (يوجوف) لقياس الرأي، أن 14 بالمئة يعارضون هذا الطرح، فيما لم يدل 13 بالمئة برأيهم في هذا الموضوع.

وأعرب 82 بالمئة ممن شملهم الاستطلاع عن تأييدهم لإلغاء العزوبية بين القساوسة، بحيث يتم السماح لهم بتقرير ما إذا كانوا سيتزوجون أم لا.

ومن جهته، يرى البروفيسور الألماني ميشائيل زيفالد أستاذ دراسات العقيدة المسيحية بجامعة مونستر أن الموقف من إمكانية زواج القساوسة الكاثوليك يمكن أن يتغير من منطقة لأخرى.

جدل واسع تسببه آفة الاعتداءات الجنسية داخل الكنائس
جدل واسع تسببه آفة الاعتداءات الجنسية داخل الكنائس

واعتبر زيفالد أنه “ليست هناك حاجة لتوحيد رأي الكنيسة من مسألة ضرورة عيش القساوسة دون زواج أو إمكانية وجود قساوسة متزوجين”.

وأشار البروفيسور الألماني إلى أن هناك في الكنيسة الكاثوليكية الشرقية أيضا قساوسة متزوجين وهناك في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية حالات استثنائية لقساوسة متزوجين.

وقال زيفالد، وهو نفسه قس، إنه “يمكن أن نجد حلولا مختلفة إقليميا، ولكن هناك نقص كبير في عدد القساوسة في كل مكان تقريبا، مما قد يسبب تأثيرا تتابعيا مثل تأثير سقوط قطع الدومينو.. فإذا سُمح في بلد ما للرجال المتزوجين بتقلد منصب القس، فربما حاولت دول أخرى اللحاق بسرعة بهذا البلد”.

وفي افتتاح القمة الخميس، دعا البابا فرنسيس إلى اتخاذ “تدابير ملموسة وفعالة”. وقال البابا “شعب الله ينظر إلينا ولا ينتظر منا إدانات بسيطة وواضحة فقط، بل إعداد تدابير ملموسة وفعالة”.

وطلب من المشاركين الـ190 في القمة سماع “صرخة الصغار الذين يطلبون العدالة” في مواجهة “آفة الاعتداءات الجنسية التي يرتكبها رجال الكنيسة ضد القاصرين”.

واستدعى بابا الفاتيكان فرنسيس الأول رؤساء الكيانات الكاثوليكية الوطنية والعشرات من كبار مسؤولي الكنيسة الآخرين للمشاركة في الاجتماع، والذي يمكن أن يكون أصعب اختبار لبابويته.

الاجتماع يحمل رياح التغيير

وأوضح البابا فرنسيس أن الرؤساء الـ114 للأسقفيات الذين أتوا من جميع القارات، سيعودون محملين بالمزيد من الثقافة والإدراك إلى بلدانهم، وأفكار واضحة لنقلها بدورهم إلى الأساقفة والكهنة، مشيرا إلى أن بعض الأسقفيات خصوصا في آسيا وأفريقيا، مازالت تنكر أعمال العنف ضد قاصرين.

وكان الكاردينال الأميركي بليز كوبيش محط ثقة البابا في الولايات المتحدة وأحد المنظمين الصينيين الأربعة، قال قبل اللقاء “آمل في أن يُنظر إلى هذا الاجتماع على أنه تحول، وليس نهاية اللعبة”.

وأضاف “سنفعل كل شيء حتى يدرك الناس مسؤولياتهم وواجباتهم بتقديم الحساب وحتى تتوافر الشفافية أيضا”. ورأى أسقف شيكاغو أن هذه العناصر الثلاثة التي سيحللها الواحدة بعد الأخرى المشاركون الـ190 في الاجتماع، ستوفر الأمن للأطفال.

ووفق إحصاءات عام 2015، يشكل المسيحيون أكبر مجموعة دينية في العالم، حيث يمثلون ما مجموعه 2.3 مليار مسيحي أو 31.2 بالمئة من مجموع سكان العالم البالغ 7.3 مليار نسمة.

وتنقسم الديانة المسيحية إلى طوائف عديدة: منها الروم الكاثوليك (أكبر مجموعة تضم ما يقرب من 1.3 مليار من المسيحيين)، والبروتستانت والأرثوذكسية الشرقية والأرثوذكسية اليونانية والإنجيلية والعديد من الطوائف الفرعية الأخرى.

لكن في السنوات الأخيرة أصبح ملاحظا أن الدين المسيحي بدأ يتراجع خاصة في أوروبا الغربية. ففي أيرلندا، وهي دولة كاثوليكية، انخفضت نسبة المعتنقين للمذهب الكاثوليكي من

 84.2 بالمئة إلى 78.3 بالمئة بين تعداد عامي 2011 و2016. وفي اسكتلندا، وهي دولة أخرى متمسكة بالتقاليد الدينية، أصبح أغلبية الناس غير متدينين، وهي نسبة وصلت إلى 59 بالمئة.

البابا فرنسيس يواجه مقاومة واسعة للتغيير داخل الكنيسة
البابا فرنسيس يواجه مقاومة واسعة للتغيير داخل الكنيسة

والفاتيكان هي المدينة المسيحية الوحيدة في العالم. ورغم أنها مركز صغير لكنها قوية في نشر التعاليم الكاثوليكية، حيث البابا يمثل السلطة العليا ويرأس الفروع التنفيذية والتشريعية والقضائية لحكومة الفاتيكان.

وتعاني الكنيسة من انقسامات حادة بين أجنحة تقدمية وأجنحة محافظة. والمحافظون يخشون من أن يكون البابا فرنسيس يمثل تهديدا تقدميا لتعاليم الكنيسة حول الزواج والجنس، حيث اتهموه بالرضا عن “أيديولوجيا مساندة للمثلية” و”شبكات مثلية” بين رجال الدين.

والجناح المحافظ داخل الكنيسة يرى أن أزمة الاعتداء لن تنحسر إلا إذا حافظت الكنيسة على الرأي المعارض لأي محاولة لتحديث التعاليم الرسمية الخاصة بالمسائل السياسية والمثلية الجنسية.

في المقابل، يقبل الجانب التقدمي الليبرالي من الكنيسة، بما في ذلك الكرادلة الأميركيون الذين عيّنهم البابا فرنسيس مثل بليز كوبيش في شيكاغو وجوزيف توبين في نوارك، عموما التعاليم الكاثوليكية حول الجنسانية لكنه يؤيد مقاربة أكثر براغماتية تخص مسائل مثل وضعيات الكاثوليكيين المثليين والمطلقين والمتزوجين ثانية ومنع الحمل والمساكنة السابقة للزواج.

وترى هذه المجموعة أن إسكات الاعتداءات والتغطية عليها نتيجة سامة لنفاق الكنيسة المؤسساتية التي أنكرت إلى وقت قريب الحاجة إلى تحديث لغة تعاليمها بينما هي واعية بصمت بالهوة الواسعة بين تلك التعاليم والثقافة المعاصرة.

ورغم تعهدات البابا وكل التوقعات بشأن نتائج قمة الفاتيكان، هناك شكوك حول ما يمكن أن يحققه اجتماع القساوسة.

ويقول إياكوبو سكاراموتزي، وهو صحافي وكاتب إيطالي متخصص في شؤون الفاتيكان، “لا يمكنكم أن تفعلوا في غضون ثلاثة أيام ونصف اليوم ما لم يتم فعله في 40 عاما”، مشيرا إلى أن البابا يدرك تماما هذا التحدي.

ويعتبر المنتقدون للبابا فرنسيس في الغرب أن أزمة الاعتداءات ليست فشلا فقهيا أخلاقيا فحسب بل يرونها كذلك فشلا من الكنيسة الكاثوليكية في البقاء ضمن روح الغرب. وليس من قبيل الصدفة أن يساعد الاستراتيجي في البيت الأبيض سابقا ستيف بانون في بناء معهد الكرامة الإنسانية، وهو مؤسسة كاثوليكية رومانية يمينية في إيطاليا يصفها مؤسسها بأنها “أكاديمية الغرب اليهودي المسيحي”.

13